عجوزٌ في الثامنة والعشرين يتذكر
إلى الأصدقاء القديمين
(1)
أُحِسُّ بأنِّي عجوزٌ
وأنِّي إذا ما التَفَتُّ وَرَائِي
وجدتُ المسافةَ بيني
وصحراءِ عُمْرِيَ
صارتْ طويلةْ
(2)
إذا صبغَ اللَّيْلُ
كُلَّ مساءٍ
جداراتِ روحي
بِلَوْنِ الظلامِ
شَدَدْتُ الرِّحالَ
غَذَذْتُ المَسِيرَ
عَبَرْتُ صحارى
سِنينٍ مشيتُ
بِخُطْواتِ فِكْرٍ قَليْلةْ
(3)
بِعُكَّازَةٍ للتَّذكُّرِ أَمْشي
وَزُوَّادَتي شمْعَةٌ من حَنِينٍ
تُضيءُ لِيَ الدَّرْبَ
تُذْكي فَتيلَةَ شَوْقي القديمِ
لأُغنيةٍ في زوايا متاهاتِ روحي
عنِ الطفلِ ،
رائحةِ الطينِ في الجُدُرانِ ،
وعَبْقِ الرُّطوبةِ
في نسمةٍ في حواري البيوتِ القديمةِ ،
عمَّنْ مَضَوْا عن غُبارِ الأماكنِ
لكنَّهم ما مَضَوْا
لحظةً
عن مجالِسِهِمْ
في شِغافِ القُلُوبِ
وَخَلَّوْا صدى صوتِهِم في
المسامِعِ مثلَ شريطٍ يعادُ
يعادُ …
يعادْ
وَخَلَّوْا ظِلالَ الوجوهِ مُبَرْوَزَةً
ومُعَلَّقَةً فوق حائِطِ أشواقِنا
كَيْ تُجَرِّحَ عَبْراتِنا
ولتُدمي ابتساماتِنا
بمساميرِ حُزنٍ صقيلةْ
(4)
إذا اجتمعَ الأصدقاءُ القديمونَ
في سهرةِ الأربعاءِ ،
نُسافِرُ في زَورَقِ الذِّكرياتِ
بِعكسِ اتِّجاهِ رياحِ الزمانِ
وتيّارِ مَوْجِ العُمُرْ
نُقَضِّي الرّحيلَ
بِمَدِّ الشِّباكِ وصَيْدِ التَّفاصيلِ
والَّلَقَطاتِ الحميمةِ
عن ضَحَكَاتِ الطُّفُولَةْ
نُمَثِّلُ أفلامَ كَرتونِنا الأثريَّةْ ،
نُغَنِّي سويَّاً
أغانيَ ( لولو الصغيرةْ )
و( بَبَّايَ ) و ( السِّنْدِبادِ ) ،
نُقَلِّدُ صوتَ أساتذةٍ دَرَّسونا معاْ ،
ونحكي المقالبَ والفَلَكاتِ
يسيلُ اللُّعابُ
إذا نَتَذَكَّرُ طَعْمَ الكَاكَاوِ القديمِ
ونَكْهةَ بِسكوتنا المُنْقَرِضْ
يسيلُ الوَجَعْ
إذا نَتَذَكَّرُ
عُمْرَ الصِّبا والبداياتِ ،
أَوَّلَ خَفْقَةِ قَلْبٍ ،
سذاجاتِنا وَسِنِيَّ البراءةِ ،
أحلامَنا المستحيلةْ.
ولمَاَّ نعود لِنَرْسُو علىشطِّ عالمِنا الواقعيِّ ،
نُحَنِّطُ أسماكَ تِذْكارِنا
والمَحَارَ العجيبَ المُعتَّقَ
فوقَ رُفوفِ السُلُوِّ
وشَمَّاعةِ الإنشغالِ
فيستأذنُ الصحبُ
أَوَّلُهُمْ لِيُصالحَ زَوْجَتَهُ
عِنْدَ والدِها
كي تعودَ إلى البيتِ
بعدَ شجارٍ لشهرٍ
و ثانيُهم يَتَوجَّهُ للصيدليةِ
يُحضِرُ أدويةً
وَحفائِظَ أطفالِهِ
ثُمَّ ثالثُهم
لستُ أدري لماذا !
وأبقى لوحدي حزيناً
أُغنِّي أغاني الطفولةِ
أُقنعُ نفسي
بأنِّي أعيشُ الزمانَ القديمَ
وتلكَ العهودَ الجميلةْ
(5)
أَتُوهُ وعُكَّازَةٌ للتَّذَكُّرِ
تلسَعُني وَخزةُ الذكرياتِ
فتسرع خفقاتُ قلبي
أُحِسُّ صُداعاً شديداً
ويزدادُ ضغطُ دمي
أتناولُ حبةَ تنويمِ قَلْبٍ
أُحِسُّ بأنَّ النُعاسَ
يُغطِّي ضُلوعيَ
أحضنُ زُوَّادتي - شمعتي -
ثمَّ أبكي قليلاً
وأغرقُ فوقَ كثيبِ الكآبةْ
بِنَوْبَةِ نومٍ
ط
و
ي
ل
ةْ
2-2001 لوس أنجلس