جريدة الرياض الاثنين 22 رمضان 1421 الموافق 18 ديسمبر 2000

 

الرأي الآخر

(تعريب العلوم وأحلامنا الكبرى! (1

طارق بن عبدالعزيز أبو عبيد

 

شاب يرتدي سلسالا وحلقا في اذنه ويربط شعره من الخلف ويرطن بالانجليزية بلهجة تسمع عادة في شوارع نيويورك ويسكن في منفوحة هل سيصبح امريكيا ؟!!

اننا ننتقد شبابا من هذا النوع لأنهم ـ بالاضافة الى عدم تمسكهم بقيمهم ـ يعتقدون انهم سيصبحون متطورين اذا قاموا بتقليد مظاهر شكلية لأناس متطورين في نواح معينة لم يأت تطورهم لاتباعهم هذه المظاهر بقدر ما اتى نتيجة لعمل مضن ادى لنهضتهم.

ورغم نبل الهدف وسمو الغاية لدى الداعين الى تعريب العلوم الجامعية، إلا انهم يقعون في المأزق ذاته! مأزق اننا سنصبح متطورين ان عربنا تعليمنا. وهم هنا لا يميزون بين المشكلة والعرض، والسبب والنتيجة. فنحن لم ندرس التعليم العالي بالانجليزية إلا لتخلفنا الحضاري الذي كان يجب ان تركز الجهود لتجاوزه ثم يأتي التعليم بلغتنا نتيجة لذلك. اي اننا يجب ان تكون قضيتنا هي مناقشة اسباب وسبل انقاذ الدول العربية التي تعيش في تخلف اداري واجتماعي واقتصادي وفي تبعية كاملة للغرب فكريا واقتصاديا وسياسيا . انني اعجب ممن يدعو لتعريب العلوم كخلاص حضاري في وقت نفخر فيه بأن شماغنا انجليزي اصلي وملابسنا الداخلية صنعت في كوريا والصين.

ويبدو ان هذه الفكرة اصبحت خلاصا للكثيرين لا سيما بعد هزائمنا في حرب 76م ودوام الاحتلال الصهيوني، خلاصا يدغدغ حماسنا ومشاعرنا العربية والدينية.

انني ارى ان الدعوة الى تعريب العلوم (كما تقدم من دعاتها الآن) هي كارثة لأنها تحتوي على مغالطات منطقية من رواد لهم وزنهم ويؤخذ برأيهم في مستقبل تعليمنا الجامعي. من هذه المغالطات:

1ـ ان هذه الدعوة تأتي كردة فعل على دعوة قديمة وهي عجز لغة القرآن عن استيعاب العلوم التي رد عليها حافظ ابراهيم في قصيدته التي حفظناها صغارا وذكر فيها ان وجود القرآن الكريم باللغة العربية واستيعابها لآياته دليل على بطلان هذه الدعوة. وكذلك كردة فعل على محاولات الاستعمار لطمس معالم اللغة في بعض الدول العربية.

2ـ تصوير التعريب على انه المنقذ القادر على النهوض بالطلاب الجامعيين وتفوقهم كما يرى الدكتور زغلول راغب النجار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن في تقديمه لكتاب الدكتور زهير احمد السباعي (تجربتي في تعليم الطب باللغة العربية) حيث يقول:

(اذا كنا حقا نريد لأبناء الأمة العربية ان يتفوقوا في دراستهم وان يبدعوا في تخصصاتهم المختلفة فعلينا ان نعلمهم بلغتهم العربية) وفي هذا اغفال لعشرات العوامل الاخرى مثل ميزانيات التعلم وطرق التدريس وكفاءة المدرسين وغيرها من العوامل التي صنعت الفروقات في المستوى بين جامعات العالم!

ويرد على هذا الزعم مستوى طلاب جامعة الملك فهد وخريجيها ـ التي يدرس فيها الدكتور زغلول ـ مقارنة بمستوى طلاب جامعات تدرس بالعربية.

3ـ اختصار الفارق الحضاري بيننا وبين الآخرين في هذا العامل ولا ادري هل كانت ستقوم للعرب نهضة لو انهم اخذوا بهذه المشورة التي لحسن الحظ لم يسمع بها (المأمون) الذي انشأ (بيت الحكمة) في بغداد ثم في عصور لاحقة انشئت بيوت اخرى للحكمة في تونس والقاهرة وقرطبة ترجمت آلاف الكتب للعربية واعطي المترجم وزن الكتاب ذهبا. والذي طلب من الروم عندما انتصر عليهم ان يخرجوا كتب الفلسفة التي القاها اليونان في السراديب ايام انتشار النصرانية مكان الغرامة التي فرضها عليه. كما ذكر الدكتور عمر فروخ في (تاريخ العلوم عند العرب).

وهذا يدل على ان هذه النهضة لم تأت نتيجة تطبيق قرار كالتعريب بدون مقومات نهضة علمية شاملة ودعم كبير للحركة العلمية وتخطيط منظم لهذه النهضة.

4ـ وصم المخالفين لرأيهم بعبارات مثل: المتغربين والمثبطين والمزايدة على اخلاصهم وحبهم للعربية وانتمائهم. فالدكتور عبدالكريم خليفة في كتابه (اللغة العربية والتعريب في العصر الحديث) الذي كانت توزعه جامعة الملك فهد للبترول والمعادن على طلابها كملحق لمقرر في اللغة العربية! يرى ان (تعريب التعليم الجامعي بفروعه العلمية المختلفة او عدم تعريبه هي قضية لا علاقة لها بطبيعة اللغة العربية او بقدرتها على الاستيعاب ولكنها قضية تتعلق بتيار سياسي يعادي العروبة وتراثها ولغتها وبالتالي يعادي الأمة في جميع اقطارها ويمنعها من المسيرة في مدارج الحرية والاستقلال الحقيقي).

والدكتور زهير السباعي كتب رسالته عن التعريب لأنه (لايزال بيننا مناهضون لتعليم الطب باللغة العربية اما عن استكبار او عن عدم وضوح للرؤية).

5ـ مقارنة تجربتنا الحضارية الآن بتجربة اليابان او الصين او اسرائيل الذين يدرسون بلغاتهم او تجربة المسلمين الاوائل ايام الفارابي وابن سينا تقتصر على عامل التدريس باللغة العربية او نفس لغة الشعوب بغض النظر عن العوامل الاخرى وهذا فيه اغفال للخطوات الاصلاحية التي مر بها المسلمون والتي مرت بها اليابان في عهد (ميجي) و(بروتوكولات حكماء صهيون) لإسرائيل والتي صار التدريس بلغة هذه الحضارات نتيجة لا سببا لتقدمها.

6ـ اتهام خريجي الجامعات التي لا تدرس بالعربية بالقصور اللغوي في اللغة العربية.

وهذا ينفيه الواقع الذي يشهد على سلامة المذيعين اللبنانيين وفصاحتهم وعلى وجود عدد من الشعراء السعوديين المعاصرين الذين تخرجوا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن مثل الشاعر علي الدميني والشاعر علي بافقيه والشاعر محمد الحربي والشاعر الصديق زياد آل الشيخ وتجربتي الشخصية في كتابة الشعر.

7ـ ان الدعوة لتعريب التعليم الجامعي في المجالات التقنية منفصمة عن الواقع ولو طبقت ستنتج خريجين غير قادرين على مواكبة التقدم في مجالاتهم وهذا ما سأوضحه اكثر في الاسبوع القادم إن شاء الله