طارق بن عبدالعزيز أبو عبيد
بالإضافة الى عاطفية الدعوة الى تعريب العلوم والتي رغم نبل دوافعها الا انها لا تكفي لصنع حضارة دون مقومات نهضة متكاملة، تمثل الدعوة الى تعريب العلوم احد مظاهر الانفصام عن الواقع الذي تعيشه النخبة عن واقع الحياة المعاصرة ما جعلها تعيش في صوامع منعزلة عن الناس وواقعهم وتركت للفضائيات والانترنت والكمبيوتر والاقتصاد دور رسم معالم الحياة المعاصرة واصبح العامة يثقون في هذه المصادر اكثر مما يثقون في آراء النخبة لا سيما اذا كانت هذه الآراء لا تراعي الواقع بل قد تضر اكثر مما تفيد لو أخذ بها. ومن المشاكل التي قد تحصل لو عربت العلوم الجامعية التقنية ان الخريجين سيعيشون في عجز عن مواكبة التطورات في تخصصاتهم ومصادر المعلومات التي يحتاجونها لأن كثيرا منها ليس مكتوبا بالفرنسية او الالمانية بل بالانجليزية أما عن المصادر المتواجدة بالعربية فان الوضع لا يبشر بخير. واذا كانت (1500 مقالة طبية تنشر في كل سنة في البلاد العربية) كما ذكر الدكتور زهير السباعي في كتابه (تجربتي في تعليم الطب باللغة العربية) فكم عدد المقالات التي تنشر في الولايات المتحدة فقط؟ ان من يبحث عن موضوع او مجال علمي في الانترنت ستهوله مئات الآلاف من الصفحات والابحاث المنشورة والتي يوجد غيرها كثير لم ينشر على الانترنت والتي لن يستطيع المتخصص الاستفادة منها ما لم يتقن الانجليزية. واتقان لغات العلم لا يغفله حتى الداعون الى تعريب العلوم والدكتور السباعي يذكر في كتابه في ص 66 (اني لدائم الترديد لطلبتي وتذكيرهم بان عليهم ان يطوروا حصيلتهم من اللغة الانجليزية حتى يتقنوها ووسيلتهم في ذلك مداومة القراءة والدرس في الكتب والمجلات الطبية والعامة بل لو انه اعطي الخيار ـ كما يقول ـ لما منح طالب الطب شهادته النهائية الا اذا اجتاز امتحانا ذا مستوى عال في لغة اجنبية). إذا لماذا لا نختصر الطريق على الطالب وتفعل الجامعات كما فعلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن حيث يدرس الطالب سنة تحضيرية معظمها لتدريس الانجليزية بدءا باساسياتها وهي الحروف الابجدية الانجليزية ولا ينتقل الى السنة الثانية في الدراسة الجامعي حتى يجتاز امتحانا يعادل امتحان التوفل في مستواه ليكون قادرا على الدراسة بهذه اللغة ثم ممارسة هذه اللغة عن طريق الدراسة بها وهذه افضل وسيلة لتعلم لغة ما وهي ان تعيشها. ومازلت اذكر اجابة مدير الجامعة السابق د. بكر بن عبدالله بكر على اجابة سؤال احد الطلاب في الاجتماع السنوي المفتوح يتعلق بالتعريب حين قال له اننا نتمنى ذلك ولكنه سيعني عدم الاستفادة من خبرات الاكاديميين الاجانب الموجودين في الجامعة من غربيين او باكستانيين وهنود درسوا في جامعات غربية وسيعني عدم تدريس مناهج متميزة مكتوبة بالانجليزية. وفي غير التعليم الجامعي يحتاج المتخصص الى حضور دورات وشهادات واجتياز اختبارات لا توجد بغير الانجليزية. ففي مجال الحاسب الآلي يعرف اي متخصص يستخدم قاعدة بيانات (اوراكل) وهي اقوى قاعدة بيانات في العالم ان معظم الكتب التي تدرسها مكتوبة بالانجليزية وانا اعرف اشخاصا لم يستطيعوا تعلمها لانهم لا يعرفون الانجليزية وهذا ينطبق على برامج وتطبيقات اخرى كثيرة في الحاسب الآلي. وما يسمى بالمساعد ( help ) في برامج الكمبيوتر والذي يحتوي دليلا موجودا في جهاز الحاسب من مئات الصفحات عن البرمجة او التطبيق تكون مكتوبة بالانجليزية من قبل الشركة المنتجة. والشهادات المعتمدة مثل ( OCP ) و( MCSE ) في منتجات اوراكل ومايكروسوفت والتي تعادل الماجستير وظيفيا لدى بعض الشركات لا يستطيع دراستها واجتياز اختباراتها إلا من يتقن الانجليزية وفي المقابل لهذا الطوفان العلمي الغربي تعجز مجمعات اللغة العربية عن وضع مصطلحات علمية ومعيشية عربية ويغيب التنسيق مع سائل الاعلام والجامعات ودور النشر المترجمة لاعتماد هذه التعريبات بل تراك المجال بدون تنظيم حتى أصبح المتخصص القارىء لكتاب علمي مترجم يصادف كثيرا من التعريبات المضحكة والتي احيانا لا تطابق المصطلح الغربي سوى حرفيا بغض النظر عن المعنى او السياق. ويقابل هذا التنوع في المصادر الغربية العلمية غياب لآلية واضحة وفعالة للتعريب فالدكتور السباعي يقترح في كتابه تخصيص خمسة ملايين ريال فقط للقيام بهذه المهمة وتعريب مائة مرجع طبي. وبعد كل ما اثير عن اهمية التعريب هل اصبحت الجامعات السورية ـ مثلا ـ التي عربت العلم، افضل جامعات العالم او الوطن العربي على الاقل؟ ان افضل جامعات العالم العربي تضم اسماء مثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والجامعة الاردنية والجامعتين الامريكيتين في بيروت والقاهرة. وكخريج في مجال الحاسب، ادين بالفضل لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التي بتدريسها بالانجليزية اعطتني القدرة على حضور الدورات وقراءة الكتب المتخصصة والحصول على مصادر المعلومات في الانترنت والحصول على درجة في امتحان التوفل تؤهلني لاكمال الماجستير في اي جامعة امريكية دون الحاجة لدراسة الانجليزية وانا مدين لجامعة الملك فهد بتواصلي مع الثقافة الانسانية من شعر وعلم نفس ورواية وصحافة. اني على ثقة بان القرارات العاطفية غير المدروسة ليست هي التي ستعلي من شأن الاسلام والعرب بل التخطيط والعمل ضمن خطط واضحة ومقومات نهضة شاملة تعيدنا مرجعا في العلوم والحضارة كما كنا
.
|