دور المثقف في إدارة الأزمات.. وجهات نظر
كيف نبني علاقة تكاملية حضارية بين المثقف والسياسي.. والحلقة مفقودة؟ !
تحقيق - صحيفة الرياض 9/مايو /2002م
" حين أسمع كلمة ثقافة.. أشهر مسدسي"!قالها أحدهم ذات عصر!!بين " الثقافة" و"السياسة" مسافات: قد تطول، وقد تقصر.. قد تتقاطع، أو تتوازي.. وفي كل الحالات هما متلازمتان مع بعضهما على مر العصور!لكن تبقى العلاقة بينهما محل جدل مستمر.. ومن هذا الجدل نستقي محاور تحقيقنا الذي فرضته ظروف الرحلة الساخنة:* ما دور المثقف في إدارة الأزمات؟ وكيف (يجب) أن تكون؟* هل هناك حلقة مفقودة بين " المثقف" و"السياسي"؟ وما هي هذه الحلقة إن وجدت؟* ما السبيل للوصول إلى علاقة ( تكاملية) حضارية بين المثقف والسياسي؟ كيف نحقق هذه المعادلة؟الثقة بين الطرفين = منيف بن علي القبلان -للمثقف دور لا يستهان به في إدارة الأزمات، فصوت السلاح، الذي يستخدم في كثير من الأحيان، لمواجهة بعض الظروف، وأكثر الأزمات صعوبة، لا يكون في الغالب الأعم مسموعاً إلا على مساحة ضيقة، ما يجعل تأثيره - حتى ولو كان مدمراً - أقل فاعلية. بينما تصدح الكلمة في أرجاء الدنيا معقبة خلفها تأثيرات لا يستهان بنتائجها.والمثقف العربي مطلوب منه في هذه المرحلة أن (يجاهد) بفكره مستخدماً سلاح الكلمة الصادقة، لتنوير الأمة، وتوجيه الرأي العام، وإبراز الرؤية الصائبة في سبيل القضاء على كل ما من شأنه التأثير على ترابط المجتمع أو الإخلال بثوابته أو تهديد أمنه.والواقع يقول إنه لا يوجد "قاب" بين المثقف والسياسي، فكلاهما، يعتبر مكملاً للآخر. السياسي يرسم الخطوط العريضة لسياسة البلد وتوجهاته، مستمداً أفكاره من نبض الشارع، الذي يعتبر فيه المثقف بمثابة العمود الفقري، شريطة أن يكون هدف الطرفين لا يحيد عن مصلحة الأمة، والحفاظ على وحدتها، وحماية مقدراتها، وهذا لن يتأتى، على أية حال، إلا بوجود رابط متين من الثقة بين الطرفين، تحميه قناعة راسخة بضرورة بلوغ الهدف المشترك، مسبوق بأسس متينة من العلاقات المبنية على المصارحة والصدق في القول والعمل."سوط" يخاف "السوط "! جعفر عباس - = ما دور المثقف في إدارة الأزمات؟لا دور له - هكذا بدون لف أو دوران - لأنه يعيش في أزمة، ولأن رأيه لا يقدم ولا يؤخر، في زمان يتحسس فيه القائمون على الأمور مفاتيح الزنازين كلما سمعوا كلمة ثقافة، ويفترض من الناحية النظرية أن المثقف هو "سوط " الذين لا صوت لهم، ولكن وفي الواقع فإن المثقف يكون محظوظاً لو أفلت هو من السوط .. = عبدالله إبراهيم الكعيد - دور المثقف العربي في إدارة الأزمات كما أراه هو الوقوف أولاً بجانب الحق بصرف النظر عن الاختلافات في الرؤى حول الموقف السياسي الرسمي وقد لا يكون المثقف هو من يدير الأزمة أو يُشارك في إدارتها لكن لابد له من تسجيل موقف واضح وغير متردد في نصرة الحق والعدي سيما لو كان مشهوراً ومسموع الكلمة على المستوى الجماهيري المحلي أو الخارجي هذا فيما لو حصرنا مفهوم المثقف بالشخص المبدع الذي يزخر بكم غزير من المعارف والمعلومات ومنتجات العقل، أما لو نظرنا إلى المثقف من منظور مختلف كأن يكون الشخص الحر السوي الذي تشكلت شخصيته من خلال معتقدات وعادات ومعارف وفنون وأخلاقيات وقيم مجتمعه فإن دوره أثناء الأزمات لابد وأن يتماهى مع دور النخب من المفكرين والمثقفين أصحاب الكلمة المسموعة في مناصرة الحق والعدل والحرية والسلام..!!!لا أعتقد بوجود فجوة بين المثقف والسياسي فكل منهما يتمم دور الآخر فلا ثقافة دون حرية سياسية ولا سياسة ذات دور مؤثر دون ثقافة بل قد يصل الأمر يوماً إلى أن تحل الثقافة بديلاً للسياسة في التقريب بين الشعوب حيث لا حدود سياسية ولا عقائدية ولا حتى جغرافية تحد من التواصل الثقافي بين الأمم والشعوب في هذا الكون..!! ألم نسمع عن قيام مثقفين كبار بأدوار سياسية هامة لحل بعض المشكلات والنزاعات بين الأمم ولعل آخر تلك الأدوار قيام كبار الأدباء والمثقفين الحاصلين على جائزة نوبل للآداب أمثال وول سوينكا وساراماغو وغيرهم بزيارة مدينة رام الله لمناصرة الشعب الفلسطيني ورئيسه عرفات وتسليط الضوء على وحشية القمع الصهيوني للشعب هناك..لتحقيق المعادلة الحضارية في بناء علاقة تكاملية بين المثقف والسياسي كما تقولون فهي لابد وأن تتأتى من خلال شفافية السياسية وصدق موقف المثقف فحين تحدث تلك الكيمياء بعيداً عن المصالح الشخصية فلابد أن يتقارب طرفي المغناطيس.اختلاف عين الرؤية = عادل الحوشان (شاعر):غياب المثقف العربي عن أزماته العربية ثم بفعل سياسي محض رغم اشتراكهما معاً في صياغة خطابات الأمة طوال تاريخها بصيغ مختلفة ما بين النظرية والمصالح التي تفرضها القوة دائماً.لذا من الصعب أن ينخرط المثقف في السلك السياسي ليصبح (خرزة) ضمن خرز المناصب التي تحركها أصابع المصالح وصراع القوة والبقاء، حتى وإن اختلفت المقومات في مقدار قوتها وضعفها مثلما هو واقعنا العربي بالنسبة للقوى العالمية المهيمنة على اللعبة السياسية. هذه اللعبة يفهمها المثقف نظرياً لكنه لا يجيد تحريكها.لم يعد هناك متسع من فرك هذه العلاقة لإنتاج (خط) مشترك يصب في حقل من الرؤى المتقاربة.الحلقة المفقودة هي عين الرؤية التي تتسع لدى أحدهما حين تضيق على الآخر، وهي نفس الحلقة التي يرى فيها كل منهما عينه الواسعة وزاوية رؤياه.= هل هناك سبيل إلى علاقة تكاملية؟يمكن أن يحدث في حالة تهيئة مناخ سياسي مناسب يتم من خلاله تنظيف ( مخ) المثقف العربي من تراكمات صراع سياسي نظري إلى معايشة واقع سياسي مدون ومكشوف الزوايا لفهم اللعبة السياسية بوجهها الحقيقي، والسؤال الملح: هل يقبل المثقف العربي بهذا الدور؟تحقيق المعادلة لا يتم في عزل المثقف عن الأجندة السياسية حيث تتوالد أجنة مشوهة نتيجة العزل وغير شرعية وفق المصطلح السياسي . = صالح الهنيدي الزهراني - شاعر:قبل أن أبدأ في طرح هذا الموضوع أحب أولاً أن أبين بتعريف بسيط قد يقودنا إلى إبراز شخصية المثقف وشخصية السياسي، أقول المثقف هو الذي يستطيع أن ينقل لنا الحقائق التي تجري على الساحة بصورة أدبية تطرزها الكلمات، وتزينها العبارات، فتخرج إلينا وقد صبغها بمشاعره وأحاسيسه. سواء أكان شاعراً أم كاتباً أم قارئاً.أما السياسي فهو الذي ينقل إلينا الحقائق بالصورة التي يراها ويلمسها عن قرب للأحداث فهو أقرب إلى الحدث من المثقف ولكن المثقف أقرب إلى قلب القارئ من السياسي.بهذا التعريف البسيط أستطيع القول أن المثقف والسياسي وجهان لنفس العملة . لا ينفك أحدهما عن الآخر. فكما أننا نحتاج إلى صورة واقعية للأحداث التي تجري (وهذا دور السياسي) فإننا بحاجة إلى من ينقلها إلى القراء وقد نفخ فيها مشاعره الجياشة . وخواطره الفياضة. لتقترب إلى الأذهان بصورة أكبر (وهذا دور المثقف).نعود لنغوص قليلاً في صلب الموضوع: إذا أحببنا أن نزيح الضباب المكثف على دور المثقف الحقيقي قد يكون غائباً نوعاً ما. إلا بعض المحاولات التي استثنيناها في هذا المقام. ذلك أننا ككتلة ثقافية واحدة لا نسير على طريق مرسوم سلفاً إنما سيرنا قد يكون عشوائياً إلى حد كبير. أضف إلى ذلك أنه تغلب علينا العاطفة الثقافية - إن صح التعبير - بصورة غير معقولة بل ويتجه الواحد منا حسبما تنقله إليه وسائل الإعلام. فإن كانت الأحداث تخيم على فلسطين ترى الكتابات والقراءات تدور حول فلسطين، وإن كانت قنوات الإعلام تنقل الصور من كوسوفا مثلاِ تجدنا لا حديث لنا إلا عن كوسوفا. فليست هناك خطط لما نعمله أو نقوم به أو نكتبه، إنما اجتهادات تمليها علينا قنوات الإعلام المسموم والمرئي والمقروء.إذاً الواجب أن يكون هناك تصور كامل لما نقوم به من أعمال، وأن يكون دورنا تكاملياً مع الأحداث فلا تطغى على أعمالنا الفردية، ولا يطفو على سطحها التكرار.وبهذا يتضح العمل التكاملي بين السياسي والمثقف من حيث دور كل واحد منهما فيما يجري ويحدث لأمتنا من أحداث، فكل واحد منهما يجب أن يمثل الآخر في أعماله. وكل واحد منهما يجب أن يصب نتاجه في مصب واحد فيما يخدم أمتنا العربية والإسلامية ، فدور السياسي دور دبلوماسي لبلورة الأحداث في قوالب سياسية. ودور المثقف دور تصويري يصور الواقع الذي آلت إليه الأمة من جراء الاعتداءات التي جرفتها إلى الهاوية.فواجب السياسي أن يفاوض ويناقش، وسيكون العماد الأساس لعقد المؤتمرات واللقاءات ثم ينقل ما يجري إلى المثقف الذي بدوره يمزج عليها شيئاً من مشاعره وأحاسيسه لتقريبها إلى أذهان القارئ.لغة التخاطب.. والأبراج العاجية != طارق عبد العزيز أبو عبيد أعتقد أن دور المثقف العربي والمثقف في جميع أنحاء العالم عموماً في التأثير في الواقع فضلاً عن إدارته تقلص كثيراً لصالح عدة عوامل أخرى أكثر تأثيراً وفاعلية. على رأس هذه العوامل يبرز الاقتصاد كهم يومي للغنى والفقير، للفرد والدولة، عاملاً رئيسياً في صنع القرارات . التقنية أيضاً أصبحت موجهاً فاعلاً في حياة الفرد والجماعة منذ اختراع المحرك البخاري وحتى القنوات الفضائية والانترنت والبريد الالكتروني. مئات الكتب التي ألفت عن أهمية حرية التعبير، لم تستطع أن تترجم هذا الهدف إلى واقع مثل ما تستطيع أن تفعله قناة فضائية واحدة أو موقع انترنت واحد. أين المثقف من كل هذا؟ المثقف يتابع هذه القوى ويتأثر بها كغيره من الناس ويحاول استخدامها للتِأثير في من حوله لكنه لا يستطيع تعديل آثار هذه القوى بسهولة أو نفيها أو إيجاد فضاء خاص به بمعزل عن هذه المؤثرات الأقوى منه.والذي يقلل من تأثير دور المثقف العربي هو أنه مازال يستخدم الكتاب كوسيلة للتعبير عن آرائه وعندما نعلم أن هذه الوسيلة لا يحصل عليها إلا ثلاثة آلاف فرد عربي في أفضل الأحيان (هذا هو عدد النسخ التي يحلم المثقف العربي أن يبيعها من كتبه!) وكذلك ما تواجهه هذه الوسيلة في بعض الأحيان من مصادرة أو نفي . شخصياً، لا أنظر للسياسي كفرد يأتي من عالم مختلف بيده اتخاذ القرارات بصورة مطلقة.أنظر للسياسي على أنه عضو من المجتمع يعكس صورة شاملة لأفراد مجتمعه (كما تكونوا يولى عليكم). يضحكني جداً المثقف الذي يطالب بالديموقراطية وحرية التعبير في الوقت الذي يقرر لزوجته كيف تتنفس ولأبنائه التخصص الذي يجب أن يدرسونه ويصادر آراء الآخرين وكأنه مركز الكون ومالك الحقيقة المطلقة.السياسي هو انعكاس للمجتمع العربي ( الأبوي) الذي يتحكم في نوعية اللبس الذي ترتديه والسيارة التي تركبها وهل يجب أن تتزوج قبل أن يفوتك القطار لكي تكون مرضياً عنك حتى ولو لم ترض أنت عن نفسك؟في المجتمعات التي تسود فيها الحرية السياسية تجد أن المجتمع يحوي نماذج مختلفة ومتباينة تتفاعل مع بعضها بانسجام واحترام ورُقي.الحلقة المفقودة بين المثقف والسياسي هي انعكاس للحلقة المفقودة بين المثقف والمجتمع: خوف المثقف من مصادرة السلطة الأبوية، خوفه من النفي والتكفير والتجريم والاتهام بالخيانة، من سوء التأويل وافتراض النوايا وعدم القبول بحق الآخرين في أن يكونوا مختلفين عنا.والسبيل للوصول إلى علاقة (تكاملية) بين المثقف والسياسي هو أن يعي الطرفان أهمية وجود هذه العلاقة والعواقب التي يؤدي إليها غيابها والتي لعل من أهمها تخلف الشعوب وجمودها.تحقيق ذلك يتم بتغيير الوضع السائد من قبل المثقف من جهة والسياسي والمجتمع من جهة أخرى.ولعل أهم الجوانب التي تستحق التغيير من جهة المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويحاول مخاطبة المجتمع وقضاياه ومحاولة إيجاد حلول صادقة بدلاً من إما الانكفاء على الذات أو التزلف في سبيل الحصول على مآرب أخرى، الشيء الذي يكرس به المثقف الحلقة المفقودة بينه وبين السياسي ويساهم في غياب العلاقة التكاملية البناءة بينهما.ولكي يستطيع المثقف التأثير لابد أن يكون خطابه بلغة واضحة ومفهومة من قبل من يريد أن يخاطبهم ولابد أن يحترم ثوابت المجتمع ومقدساته لأنها أولا تستحق الاحترام وثانياً لكي لا يفقد مصداقيته. أما من جهة السياسي والمجتمع فلابد أن نعلم أن تضييق مساحة دائرة (الحقيقة) ونفي الآخرين منها قد تجعل الآخرين في دوائر أخرى ربما تكون مضادة سواء كانت دائرة الحقيقة التي ينفى المثقف منها هي الدين أو الولاء أو الوطنية |