محمود درويش
ناس
أرى ما أريد من الناس : رغبتهم في الحنين
إلى أي شيء . تباطؤهم في الذهاب إلى شغلهم
وسرعتهم في الرجوع إلى أهلهم ...
وحاجتهم للتحية عند الصباح ...
لم يعودوا
أخذ الرعاة حكايتي وتوغلوا في العشب فوق مفاتن
الأنقاض ، وانتصروا على النسيان بالأبواق والسجع
المشاع ، وأورثوني بحة الذكرى على حجر الوداع ، ولم
يعودوا ...
أرض القصيدة
خضراء ، أرض قصيدتي خضراء
يحملها الغنائيون من زمن إلى زمن كما هي في
خصوبتها .
ولي منها : تأمل نرجس في ماء صورته
ولي منها وضوح الظل في المترادفات
ودقة المعنى ...
ولي منها : التشابه في كلام الأنبياء
على سطوح الليل
لي منها : حمار الحكمة المنسي فوق التل
يسخر من خرافتها وواقعها ...
ولي منها : احتقان الرمز بالأضداد
لا التجسيد يرجعها من الذكرى
ولا التجريد يرفعها إلى الإشراقة الكبرى
ولي منها : "أنا" الأخرى
تدون في مفكرة الغنائيين يومياتها :
" إن كان هذا الحلم لا يكفي
فلي سهر بطولي على بوابة المنفى ... "
ولي منها : صدى لغتي على الجدران
يكشط ملحها البحري
حين يخونني قلب لدود ...
أريد من الأرض
أريد من الأرض أكثر من
هذه الأرض : رائحة الهال والقش
بين أبي والحصان .
في يدي غيمة جرحتني . ولكنني
لا أريد من الشمس أكثر
من حبة البرتقال وأكثر من
ذهب سال من كلمات الأذان
سؤال طفل
-يا أبي ، هل تعبت
أرى عرقا في عيونك ؟
أم
فكرت يوما بالرحيل ، فحط حسون على
يدها ونام. وكان يكفي أن أداعب غصن
دالية على عجل ... لتدرك أن كأس نبيذي
امتلأت. ويكفي أن أنام مبكرا لترى
منامي واضحا ، فتطيل ليلتها لتحرسه ...
ويكفي أن تجيء رسالة مني لتعرف أن
عنواني تغير ، فوق قارعة السجون ، وأن
أيامي تحوم حولها ... وحيالها
أمي تعد أصابعي العشرين عن بعد.
تمشطني بخصلة شعرها الذهبي . تبحث
في ثيابي الداخلية عن نساء أجنبيات ،
وترفو جوربي المقطوع . لم أكبر على يدها
كما شئنا : أنا وهي ، إفترقنا عند منحدر
الرخام ... ولوحت سحب لنا ، ولماعز
يرث المكان . وأنشـأ المنفى لنا لغتين :
دارجة ... ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى
وفصحى ... كي أفسر للظلال ظلالها !
لا نلتقي إلا وداعا عند مفترق الحديث.
تقول لي مثلا : تزوج أية امرأة من
الغرباء، أجمل من بنات الحي . لكن ، لا
تصدق أية امرأة سواي . ولا تصدق
ذكرياتك دائما . لا تحترق لتضيء أمك ،
تلك مهنتها الجميلة . لا تحن إلى مواعيد
الندى . كن واقعيا كالسماء. ولا تحن
إلى عباءة جدك السوداء، أو رشوات
جدتك الكثيرة ، وانطلق كالمهر في الدنيا .
وكن من أنت حيث تكون . واحمل
عبء قلبك وحده ... وارجع إذا
اتسعت بلادك للبلاد وغيرت أحوالها...
أمي تضيء نجوم كنعان الأخيرة،
حول مرآتي ،
وترمي ، في قصيدتي الأخيرة ، شالها !
ابتعاد القصيدة
القصيدة تبعد عني ،
وتدخل ميناء بحارة يعشقون النبيذ
ولا يرجعون إلى امرأة مرتين،
ولا يحملون حنينا إلى أي شيء
ولا شجنا !
وداع
-يا حبيبتي ، لو كان لي
أن أكون صبيا ... لكنتك أنت
-ولو كان لي أن أكون فتاة
لكنتك أنت !...
وتبكي ، كعادتها ، عند عودتها
من سماء نبيذية اللون: خذني
إلى بلد ليس لي طائر أزرق
فوق صفصافه يا غريب !
وتبكي، لتقطع غاباتها في الرحيل
الطويل إلى ذاتها : من أنا ؟
من أنا بعد منفاك في جسدي ؟
آه مني ، ومنك ، ومن بلدي
-من أنا بعد عينين لوزيتين ؟
أريني غدي !...
هكذا يترك العاشقان وداعهما
فوضويا، كرائحة الياسمين على ليل تموز ...
في كل تموز يحملني الياسمين إلى
شارع، لا يؤدي إلى هدف،
بيد أني أتابع أغنيتي:
ياسمين
على
ليل
تموز......
أندلس
أمر باسمك ، إذ أخلو إلى نفسي
كما يمر دمشقي بأندلس
استراحة
مضت الحرب إلى المقهى لترتاح ...
ههنا وهناك
ههنا صفصافة .. وهناك قلبي
ههنا قمر التردد
ههنا عصفورة للانتباه
هناك نافذة تعلمك الهديل
وشارع يرجوك أن تبقي قليلا.
أبي
دعني أعانق أبي في السراب
فكل سراب
أبي
وكل غياب
أبي
سمرقند
سمرقند ما يترك الورد للريح
ما يترك البلبل
على قمر عابر في القصيدة
سمرقند ما تترك القبل
على شهوة تذبل ...
سمرقند سجادة للصلاة البعيدة
سمرقند مئذنة للندى
وبوصلة للصدى
سمرقند وصف سريع لما يتساقط من حبنا
عندما نرحل
اذا انكسر القلب صاح : سمرقند
هي الحجل ...
أتذكر كيف دخلت المدينة ؟
كسرت أضلاع صدري الأخيرة
قنطرة
قنطرة
وحين انحنيت لأشهد صورة قلبي
رأيت سمرقند في قبرة
وكيف ستخرج ؟
أنسى دمي
في حجارتها المقمرة
اذا انكسر القلب صاح : سمرقند
هي الحجل
على رسله ، ينكث الوعد بالوعد
وتبقى من المرأة القبل
وداعا سمرقند
يا امرأة لا تقيم ، ولا ترحل
وداعا ...
وداعا سمرقند !
يحب وينسى
... وكان يحب وينسى
ويسألني دائما : يا صديقي لماذا أحب وأنسى التي سأحب ، ونبقى
غريبين في مصعد ينظران إلى الساعة الجامدة ؟
حب الحب
وفي سجن عكا القديم تعلمت كيف تصير النساء وطن
فوق شرفتها
تحب الأغاني وتنسى المغني
وتغزل موجتها العائدة .
بيروت
بيروت – أسواق على البحر
اقتصاد يهدم الإنتاج
كي يبني المطاعم والفنادق ...
دولة في شارع أو شقة
مقهى يدور كزهرة العباد نحو الشمس
وصف للرحيل وللجمال الحر
فردوس الدقائق
مقعد في ريش عصفور
جبال تنحني للبحر
بحر صاعد نحو الجبال
غزالة مذبوحة بجناح دوري
وشعب لا يحب الظل
بيروت – الشوارع في سفن
بيروت – ميناء لتجميع المدن
وصية
كتب الوصيه :
عشرون أغنية لعينيها ، وللرمل البقية .
وقت للفرجة
مدن تأتي وتمضي .
ساعة الحائط للعرض
على هذه الأرض
على هذه الأرض مايستحق الحياة : تردد إبريل ، رائحة الخبز في
الفجر ، آراء امرأة في الرجال ، كتابات أسخيليوس ، أول الحب ،عشب
على حجر ،أمهات تقفن على خيط ناي ، وخوف الغزاة من الذكريات .
على هذه الأرض مايستحق الحياة : نهاية أيلول ،سيدة تترك
الأربعين بكامل مشمشها ، ساعة الشمس في السجن ،غيم يقلد سربا من
الكائنات ، هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين ، وخوف
الطغاة من الأغنيات .
على هذه الأرض مايستحق الحياة : على هذه الأرض سيدة
الأرض ، أم البدايات أم النهايات . كانت تسمى فلسطين .صارت تسمى
فلسطين . سيدتي : أستحق ، لأنك سيدتي ، أستحق الحياة .
مطار أثينا
مطار أثينا يوزعنا للمطارات . قال المقاتل : أين أقاتل ؟ صاحت به
حامل: أين أهديك طفلك ؟ قال الموظف : أين أوظف مالي ؟ فقال
المثقف: مالي ومالك ؟ قال رجال الجمارك : من أين جئتم ؟ أجبنا :من
البحر. قالوا: إلى أين تمضون ؟ قلنا :إلى البحر. قالوا: وأين عناوينكم ؟
قالت امرأة من جماعتنا : بقجتي قريتي. في مطار أثينا انتظرنا سنينا . تزوج
شاب فتاة ولم يجدا غرفة للزواج السريع . تسائل: أين أفض بكارتها ؟
فضحكنا وقلنا له: يافتى ، لا مكان لهذا السؤال . وقال المحلل فينا :
يموتون من أجل ألا يموتوا. يموتون سهوا . وقال الأديب : مخيمنا ساقط
لا محالة . ماذا يريدون منا؟ وكان مطار أثينا يغير سكانه كل يوم . ونحن
بقينا مقاعد فوق المقاعد ننتظر البحر ، كم سنة يا مطار أثينا !...
رأيت الوداع الأخير
رأيت الوداع الأخير : سأودع قافية من خشب
سأرفع فوق أكف الرجال ، سأرفع فوق عيون النساء
سأرزم في علم ، ثم يحفظ صوتي في علب الأشرطه
ستغفر كل خطاياي في ساعة ، ثم يشتمني الشعراء .
سيذكر أكثر من قارئ أنني كنت أسهر في بيته كل ليلة .
ستأتي فتاة وتزعم أني تزوجتها منذ عشرين عاما .. وأكثر .
ستروى أساطير عني ، وعن صدف كنت أجمعه من بحار بعيدة.
ستبحث صاحبتي عن عشيق جديد تخبئه في ثياب الحداد .
سأبصر خط الجنازة ، والمارة المتعبين من الانتظار .
ولكنني لا أرى القبر بعد . ألا قبر لي بعد هذا التعب ؟
عودة
عادوا ...
من آخر النفق الطويل إلى مراياهم .. وعادوا
حين استعادوا ملح إخوتهم ، فرادى أو جماعات، وعادوا
من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام
لن يرفعوا ،من بعد، أيديهم ولا راياتهم للمعجزات إذا أرادوا
عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم ، ويرتبوا هذا الهواء
ويزوجوا أبناءهم لبناتهم ،ويرقصوا جسدا توارى في الرخام
ويعلقوا بسقوفهم بصلا ،وبامية،وثوما للشتاء
ريتا
ريتا تحتسي شاي الصباح
وتقشر التفاحة الأولى بعشر زنابق ،
وتقول لي :
لا تقرأ الآن الجريدة ، فالطبول هي الطبول
والحرب ليست مهنتي . وأنا أنا. هل أنت أنت؟
أنا هو ،
هو من رآك غزالة ترمي لآلئها عليه
هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير
هو من رآنا تائهين توحدا فوق السرير
وتباعدا كتحية الغرباء في الميناء، يأخذنا الرحيل
في ريحه ورقا ويرمينا أمام فنادق الغرباء
مثل رسائل قرئت على عجل ،
أتأخذني معك ؟
فأكون خاتم قلبك الحافي ، أتأخذني معك
فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك .... لتصرعك
وأكون تابوتا من النعناع يحمل مصرعك
وتكون لي حيا وميتا ،
ضاع ياريتا الدليل
والحب مثل الموت وعد لا يرد ... ولا يزول
لديني
لديني ... لديني لأعرف في أي أرض أموت وفي أي أرض سأبعث حيا
سلام عليك وأنت تعدين نار الصباح ،سلام عليك ... سلام عليك . أما
آن لي أن أقدم بعض الهدايا إليك : أما آن لي أن أعود إليك ؟ أما زال
شعرك أطول من عمرنا ومن شجر الغيم وهو يمد السماء إليك ليحيا ؟
لديني لأشرب منك حليب البلاد ، وأبقى صبيا على ساعديك وأبقى صبيا
إلى أبد الآبدين. رأيت كثيرا يا أمي رأيت . لديني لأبقى على راحتيك .
أما زلت حين تحبينني تنشدين وتبكين من أجل لا شيء. أمي! أضعت
يديا على خصر إمرأة من سراب . أعانق رملا أعانق ظلا . فهل أستطيع
الرجوع إليك \إليا؟ لأمك أم ،لتين الحديقة غيم .فلا تتركيني وحيدا
شريدا ،أريد يديك لأحمل قلبي . أحن إلى خبز صوتك أمي! أحن إلى
كل شيء. أحن إلي .. أحن إليك
أنا وجميل بثينه
هل أحبتك؟ أم أعجبتها استعارتها
في أغانيك، لؤلؤة كلما حدقت في
لياليك واغرورقت ... أشرقت قمرا قلبه
حجر يا جميل ؟
هو الحب ،يا صاحبي ،موتنا المنتقى
عابر يتزوج من عابر مطلقا ...
لا نهاية لي ، لا بداية لي .لا
بثينة لي أو أنا لبثينة . هذا
هو الحب ،يا صاحبي . ليتني كنت
أصغر مني بعشرين بابا لكان
الهواء خفيفا علي ، وصورتها الجانبية
في الليل أوضح من شامة فوق
سرتها ...
من أولئك
أنا من أولئك ،
ممن يموتون حين يحبون .
من غير قصد
من غير قصد ،
يصير الحصى لغة أو صدى
والعواطف في متناول كل يد .
ربما كان هذا الحنين طريقتنا في البقاء
ورائحة العشب بعد المطر
حاجات نسائية
سمائي رمادية. حك ظهري. وفك
على مهل ،يا غريب ، جدائل شعري. وقل
لي في ما تفكر. قل لي ما مر
في بال يوسف. قل لي بعض الكلام
البسيط ... الكلام الذي تشتهي آمرأة
أن يقال لها دائما . لا أريد العبارة
كاملة . أكتفي بالإشارة تنثرني في مهب
الفراشات بين الينابيع والشمس . قل لي
إني ضرورية لك كالنوم ، لا لامتلاء
الطبيعة بالماء حولي وحولك . وأبسط
علي جناحا من الأزرق اللانهائي ...
إن سمائي رمادية ،
ورمادية مثل لوح الكتابة ، قبل
الكتابة. فآكتب عليها بحبر دمي أي
شيء يغيرها : لفظة ... لفظتين بلا
هدف مسرف في المجاز . وقل إننا
طائران غريبان في أرض مصر وفي
الشام .
قل إننا طائران غريبان في
ريشنا .واكتب آسمي وآسمك تحت
العبارة. ما الساعة الآن ؟ ما لون
وجهي ووجهك فوق المرايا الجديدة ؟
ما عدت أملك شيئا ليشبهني . هل
أحبتك سيدة الماء أكثر ؟ هل راودتك
على صخرة البحر عن نفسك ، اعترف
الآن أنك مددت تيهك عشرين عاما
لتبقى أسير يديها. وقل لي في ما
تفكر حين تصير السماء رمادية اللون ...
إن سمائي رمادية
صرت أشبه ما ليس يشبهني .
هل تريد الرجوع إلى ليل منفاك
في شعر حورية ؟ أم تريد الرجوع
إلى تين بيتك . لا عسل جارح للغريب
هنا أو هناك. فما الساعة الآن ؟
ما آسم المكان الذي نحن فيه ؟ وما
الفرق بين سمائي وأرضك . قل لي
ما قال آدم في سره. هل تحرر
حين تذكر . قل أي شيء يغير لون
السماء الرمادي . قل لي بعض الكلام
البسيط، الكلام الذي تشتهي آمرأة
أن يقال لها بين حين وآخر. قل
إن في وسع شخصين ، مثلي ومثلك ،
أن يحملا كل هذا التشابه بين الضباب
وبين السراب ، وأن يرجعا سالمين. سمائي
رمادية ، فبماذا تفكر حين تكون السماء
رمادية ؟
لنكن طيبين
لنذهب كما نحن :
سيدة حرة
وصديقا وفيا ،
لنذهب معا في طريقين مختلفين
لنذهب كما نحن متحدين
ومنفصلين ،
ولا شيء يوجعنا
لا طلاق الحمام ولا البرد بين اليدين
ولا الريح حول الكنيسة توجعنا ...
لم يكن كافيا ما تفتح من شجر اللوز
فابتسمي يزهر اللوز أكثر
بين فراشات غمازتين .
وعما قليل يكون لنا حاضر آخر
إن نظرت وراءك لن تبصري
غير منفى وراءك :
غرفة نومك ،
صفصافة الساحة ،
النهر خلف مباني الزجاج ،
ومقهى مواعيدنا ... كلها ، كلها
تستعد لتصبح منفى ، إذا
فلنكن طيبين !
لنذهب كما نحن :
إنسانة حرة
وصديقا وفيا لناياتها ،
لم يكن عمرنا كافيا لنشيخ معا
ونسير إلى السينما متعبين
ونشهد خاتمة الحرب بين أثينا وجاراتها
ونرى حفلة السلم ما بين روما وقرطاج
عما قليل .
فعما قليل ستنتقل الطير من زمن نحو آخر ،
هل كان هذا الطريق هباء
على شكل معنى ، وسار بنا
سفرا عابرا بين أسطورتين
فلا بد منه ، ولا بد منا
غريبا يرى نفسه في مرايا غريبته ؟
" لا، ليس هذا طريقي إلى جسدي
" لا حلول ثقافية لهموم وجودية
" أينما كنت كانت سمائي
حقيقية
" من أنا لأعيد لك الشمس والقمر السابقين
فلنكن طيبين ...
لنذهب ، كما نحن :
عاشقة حرة
وشاعرها .
لم يكن كافيا ما تساقط من
ثلج كانون أول ، فابتسمي
يندف الثلج قطنا على صلوات المسيحي ،
عما قليل نعود إلى غدنا ، خلفنا ،
حيث كنا هناك صغيرين في أول الحب ،
نلعب قصة روميو وجولييت
كي نتعلم معجم شكسبير ...
طار الفراش من النوم
مثل سراب سلام سريع
يكللنا نجمتين
ويقتلنا في الصراع على الاسم
ما بين نافذتين
لنذهب ،إذا
ولنكن طيبين
لنذهب ، كما نحن :
إنسانة حرة
وصديقا وفيا ،
لنذهب كما نحن . جئنا
مع الريح من بابل
ونسير إلى بابل ...
لم يكن سفري كافيا
ليصير الصنوبر في أثري
لفظة لمديح المكان الجنوبي
نحن هنا طيبون . شمالية
ريحنا ، والأغاني جنوبية
هل أنا أنت أخرى
وأنت أنا آخر ؟
" ليس هذا طريقي إلى أرض حريتي
ليس هذا طريقي إلى جسدي
وأنا ، لن أكون "أنا" مرتين
وقد حل أمس محل غدي
وانقسمت إلى آمرأتين
فلا أنا شرقية
ولا أنا غربية ،
ولا أنا زيتونة ظللت آيتين
لنذهب ، إذا .
" لا حلول جماعية لهواجس شخصية
لم يكن كافيا أن نكون معا
لنكون معا ...
كان ينقصنا حاضر لنرى
أين نحن. لنذهب كما نحن ،
إنسانة حرة
وصديقا قديما
لنذهب معا في طريقين مختلفين
لنذهب معا ،
ولنكن طيبين ....
سماء منخفضة
هنالك حب يسير على قدميه الحريريتين
سعيدا بغربته في الشوارع ،
حب صغير فقير يبلله مطر عابر
فيفيض على العابرين :
"هداياي أكبر مني
كلوا حنطتي
واشربوا خمرتي
فسمائي على كتفي وأرضي لكم ...
هل شممت دم الياسمين المشاع
وفكرت بي
وانتظرت معي طائرا أخضر الذيل
لا اسم له ؟
هنالك حب فقير يحدق في النهر
مستسلما للتداعي : إلى أين تركض
يا فرس الماء ؟
عما قليل سيمتصك البحر
فامش الهوينى إلى موتك الاختياري،
يا فرس الماء !
هل كنت لي ضفتين
وكان المكان كما ينبغي أن يكون
خفيفا خفيفا على ذكرياتك ؟
أي الأغاني تحبين
أي الأغاني؟ أتلك التي
تتحدث عن عطش الحب ،
أم عن زمان مضى ؟
هنالك حب فقير ، ومن طرف واحد
هادىء هادىء لايكسر
بلور أيامك المنتقاة
ولا يوقد النار في قمر بارد
في سريرك ،
لا تشعرين به حين تبكين من هاجس ،
ربما بدلا منه ،
لا تعرفين بماذا تحسين حين تضمين
نفسك بين ذراعيك !
أي الليالي تريدين ، أي الليالي
وما لون تلك العيون التي تحلمين
بها عندما تحلمين ؟
هنالك حب فقير ، ومن طرفين
يقلل من عدد اليائسين
ويرفع عرش الحمام على الجانبين .
عليك،إذا، أن تقودي بنفسك
هذا الربيع السريع إلى من تحبين
أي زمان تريدين ، أي زمان
لأصبح شاعره، هكذا هكذا : كلما
مضت امرأة في المساء إلى سرها
وجدت شاعرا سائرا في هواجسها .
كلما غاص في نفسه شاعر
وجد امرأة تتعرى أمام قصيدته ...
أي منفى تريدين ؟
هل تذهبين معي ، أم تسيرين وحدك
في اسمك منفى يكلل منفى
بلألائه ؟
هنالك حب يمر بنا،
دون أن ننتبه ،
فلا هو يدري ولا نحن ندري
لماذا تشردنا وردة في جدار قديم
وتبكي فتاة على موقف الباص ،
تقضم تفاحة ثم تبكي وتضحك :
" لا شيء، لا شيء أكثر
من نحلة عبرت في دمي ...
هنالك حب فقير، يطيل
التأمل في العابرين، ويختار
أصغرهم قمرا: أنت في حاجة
لسماء أقل ارتفاعا ،
فكن صاحبي تتسع
لأنانية اثنين لا يعرفان
لمن يهديان زهورهما ...
ربما كان يقصدني ،ربما
كان يقصدنا دون أن ننتبه
هنالك حب ...