أمل دنقل

 

لقطة زوجيَّة

 

فى جلسة الإفطار، فى الهنيهة الطفليَّة المبكِّرة

أعصب عينى بالصحيفة التى يدسُّها البائع تحت الباب

وزوجتى تبدأ ثرثرتها اليومية المثابرة

وهى تصبُّ شايَها الفاتر فى الأكواب !

(.. تقص عن جارتها التى ارتدت ..

وجارها الذى اشترى ..

وعن شجارها مع الخادم والبواب والقصَّاب ،

.. ثم تشد من يدىّ : صفحةَ الكُرَةْ )!

 

 

 

 

بياض

 

فى غرف العمليات ،

كان نقابُ الأطباء أبيض ،

لونُ المعاطف أبيض ،

تاجُ الحكيمات أبيض، أرديةُ الراهبات ،

الملاءاتُ ،

لونُ الأسرة ، أربطةُ الشاش والقطن ،

قرصُ المنوم ، أنبوبة المصل ،

كوبُ اللبن .

كل هذا يشيع بقلبى الوهن .

كل هذا البياض يذكرنى بالكفن !

فلماذا إذا مت ..

يأتى المعزون متشحين ..

بشارات لون الحداد ؟

هل .. السواد ..

هو لون النجاة من الموتِ ،

لونُ التميمةِ ضد .. الزمنْ ،

ضد منْ .. ؟

ومتى القلب – فى الخفقان – اطمأن؟!

بين لونين : أستقبل الأصدقاء ..

الذين يرون سريرىَ قبرا

وحياتى .. دهرا

وأرى العيون العميقةِ

لونَ الحقيقةِ

لونَ تراب الوطنْ !

 

 

 

 

أيدوم النهر

 

أيدوم لنا بستان الزهر

والبيت الهادئ عند النهر

أن يسقط خاتمنا فى الماء

ويضيع .. يضيع مع التيار

وتفرقنا الأيدي السوداء ..

ونسير على طرقات النار ..

لا نجرؤ تحت سياط القهر

أن نلقى النظرة خلف الزهر

ويغيب النهر .

أيدوم لنا البيت المرح

نتخاصم فيه ونصطلح

دقات الساعة والمجهول

تتباعد عنى حين أراك

وأقول لزهر الصيف .. أقول

لو ينمو الورد بلا أشواك

ويظل البدر طوال الدهر

لا يكبر عن منتصف الشهر

آه يا زهر ..

لو دمت لنا ..

أو دام النهر .

 

 

 

 

طفلتها

 

لا تفرّى من يدى مختبئه

.. خبت النار بجوف المدفأة !

أنا ..

(لو تدرين)

من كنت له طفلة

لولا زمان فجأة

كان فى كفّي ما ضيعته

فى وعود الكلمات المرجأة

كان فى جنبي

لم أدر به !

.. أو يدري البحر قدر اللؤلؤة ؟

إنما عمرك عمر ضائع من شبابي

فى الدروب المخطئة

كلما فزت بعام

خسرت مهجتى عاماً

.. وأبقت صدأه

ثم لم نحمل من الماضي

سوى ذكريات فى الأسى مهترئة

نتعزى بالدجى

إن الدجى للذى ضل مناه ..

تكئه !!

العيون الواسعات الهادئة

والشفاه الحلوة الممتلئة :

فتنة طفليّة

أذكرها

وهى عن سبعة عشر منبئة

إننى أعرفها

فاقتربي

فكلانا فى طريق أخطأه

ساقني حمقي

وفى حلقي مرارة شوق

وأمان صدئه

فابسمي ياطفلتي

(منذ مضت ... وابتسامات الضحى منطفئة )

ثرثري

(صوتك موسيقى حكت صوتها ذا النبرات المدفئة )

-"احكِ لى أحجيةً"

-لم يبق فى جعبتي

غير الحكايا السيئة

فاسمعيها يا ابنتى مسرعةً

عبرت فيها الليالي .. مبطئة

"كان يا ما كان "

أنه كان فتى

لم يكن يملك إلا .. مبدأه

وفتاة ذات ثغر يشتهي قبلة الشمس

ليروي ظمأه

خفق الحب بها ؛ فاستسلمت

وسرى الحب به ؛ فاستمرأه

بهما قد صعدت مركبة

للضحى

فى قصة مبتدئة

وهو فى شرفته مرتقب

وهي فى شباكها . متكئة

نغمٌ منقسمٌ

لا ينتهى حُلمٌ

إلا وحلم بدأه

صعدا

سلمة ..

سلمة ..

فى قصور الأمنيات المنشأة

لم تكن تملك إلا طهرها

لم يكن يملك إلا مبدأه

ذات يوم

كان أن شاهدها

من له أن يشترى نصف امرأة

حينما أوما لها مبتسماً

فأشاحت عنه

كالمستهزئة

اشتراها فى الدجى

صاغرة

زفت السبعة عشر .. للمئة

لم يكن شاعرها فارسها

لم يكن يملك إلا ..

التهنئة

لم يكن يملك إلا مبدأه

ليس إلا ..

كلمات مطفأة

أترى تدرين من كان الفتى ؟

فهو يدرى الآن

يدرى خطأه !

والتي بيعت وفى معصمها الوشم

فاعتاد الفؤاد الطأطأة !؟

ومَن النخاس ؟

هل تدرينه ؟

وهو ملاح تناسى مرفأه

إنني أكرهه

يكرهه ضوء مصباح نبيل أطفأه

غير أن الحقد ..

(يا طفلته )

كان فى صوتك شيء .. رقأه

والذي ضاع من العمر سدى

جسدت فيك الليالي نبأه !

من لتنهيد عذاب محرق

كلما داويت جرحاً ؛ نكأه

فابسمي يا طفلتي

منذ مضت ..

وابتسامات الضحى منطفئة

إنما العمر هباء

من سوى طفلة مثلك

تجلو صدأه !

 

 

 

 

 

(الملهى الصغير)

 

لم يعد يذكرنا حتى المكان !

كيف هُنَّا عنده ؟

والأمس هانْ ؟

قد دخلنا ..

لم تُشر مائدةٌ نحونا !

لم يستضفنا المقعدان !!

الجليسان غريبان

فما بيننا إلا ظلال الشمعدان !

انظري ؛

قهوتنا باردة

ويدانا – حولها – ترتعشان

وجهك الغارق فى أصباغه

وجهي الغارق فى سحب الدخان

رُسِمَا

(ما ابتسما !)

فى لوحة خانت الرسامَ فيها ..

لمستان !!

تُسدل الأستار فى المسرح

فلنضيء الأنوار

إن الوقت حان

أمن الحكمة أن نبقى ؟

سدىً !!

قد خسرنا فرسيْنا فى الرهان !

قد خسرنا فرسيْنا فى الرهان

ما لنا شوط مع الأحلام

ثانْ !!

نحن كنا هاهنا يوماً

وكانْ

وهج النور علينا مهرجانْ

يوم أن كنا صغاراً

نمتطي صهوة الموج

إلى شط الأمانْ

كنتُ طفلاً لا يعي معنى الهوى

وأحاسيسك مرخاة العنان

قطة مغمضة العينين

فى دمك البكر لهيب الفوران

عامنا السادس عشر :

رغبة فى الشرايين

وأعواد لِدان

هاهنا كلّ صباح نلتقي

بيننا مائدة

تندى .. حنان

قدمانا تحتها تعتنقانْ

ويدانا فوقها تشتبكانْ

إن تكلمت :

ترنَّمت بما همسته الشفتان الحلوتانْ

وإذا ما قلتُ :

أصغت طلعةٌ حلوةٌ

وابتسمت غمازتانْ !

أكتب الشعر لنجواك

(وإن كان شعراً ببغائىّ البيانْ )

كان جمهوري عيناك !

إذا قلته : صفقتا تبتسمانْ

ولكن ينصحنا الأهل

فلا نصحهم عزّ

ولا الموعد هانْ

لم نكن نخشى إذا ما نلتقى

غير ألا نلتقي فى كل آنْ

ليس ينهانى تأنيب أبي

ليس تنهاك عصاً من خيزرانْ !!

الجنون البكر ولّى

وانتهت سنة من عمرنا

أو ... سنتانْ

وكما يهدأ عنف النهر

إن قارَبَ البحر

وقاراً .. واتزان

هدأ العاصف فى أعماقنا

حين أفرغنا من الخمر الدنانْ

قد بلغنا قمة القمة

هل بعدها إلا .. هبوط العنفوانْ

افترقنا ..

(دون أن نغضب )

لا يغضب الحكمةَ صوتُ الهذيانْ

ما الذى جاء بنا الآن ؟

سوى لحظة الجبن من العمر الجبانْ

لحظة الطفل الذى فى دمنا

لم يزل يحبو ..

ويكبو ..

فَيُعانْ !

لحظة فيها تناهيد الصبا

والصبا عهد إذا عاهد : خانْ

أمن الحكمة أن نبقى ؟

سدىً

قد خسرنا فرسينا فى الرهانْ

قبلنا يا أخت فى هذا المكانْ

كم تناجى ، وتناغى عاشقانْ

ذهَبَا

ثم ذهبنا

وغداً ..

يتساقى الحب فيه آخرانْ !

فلندعْهُ لهما

ساقية ..

دار فيها الماءُ

ما دار الزمانْ !!

 

 

 

 

 

البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

 

أيتها العرافة المقدَّسهْ ..

جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ

أزحف فى معاطف القتلى ، وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف ، مغبَّر الجبين والأعضاءْ .

أسأل يا زرقاء ..

عن فمكِ الياقوتِ عن ، نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع .. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسهْ

عن صور الأطفال فى الخوذات .. ملقاةً على الصحراء

عن جاري الذى يَهُمُّ بارتشاف الماء ..

فيثقب الرصاصُ رأسَه .. فى لحظة الملامسهْ !

عن الفم المحشوّ بالرمال والدماء !!

أسأل يا زرقاء ..

عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !

عن صرخة المرأة بين السَّبي والفرارْ ؟

كيف حملتُ العار ..

ثم مشيتُ؟ دون أن أقتل نفسي؟! دون أن أنهارْ ؟!

ودون أن يسقط لحمى .. من غبار التربة المدنسهْ ؟!

لا تغمضي عينيكِ ، فالجرذانْ ..

تلعق من دمي حساءها .. ولا أردُّها !

تكلمي .. لشدَّ ما أنا مُهان

لا الليل يخفي عورتي .. ولا الجدران !

ولا اختبائي فى الصحيفة التى أشدُّها ..

ولا احتمائى فى سحائب الدخان !

.. تقفز حولى طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسةْ

(كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن فى الخنادقْ

فنفتح الأزرار فى ستراتنا .. ونسند البنادقْ

وحين مات عَطَشاً فى الصحراء المشمسةْ ..

رطَّب باسمك الشفاه اليابسةْ ..

وارتخت العينانْ!)

فأين أخفي وجهيَ المُتَّهَمَ المدان ؟

والضحكة الطروب : ضحكته ..

والوجهُ .. والغمازتانْ !؟

لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسنَةً ..

لكي أنال فضلة الأمانْ

قيل لىَ "اخرسْ .. "

فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !

ظللتُ فى عبيد (عبسٍ) أحرس القطعانْ

أجتزُّ صوفَها ..

أردُّ نوقها ..

أنام فى حظائر النسيانْ

طعامىَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض التمرات اليابسةْ .

وها أنا فى ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ

دُعيت للميدانْ !

أنا الذى ماذقتُ لحمَ الضان ..

أنا الذى لا حولَ لى أو شانْ ..

أنا الذى أُقصيت عن مجالس الفتيانْ ،

أُدعى إلى الموت .. ولم أُدع إلى المجالسةْ !!

تكلمي .. تكلمي ..

فها أنا على التراب سائلٌ دمي

وهو ظميٌء .. يطلب المزيدا .

أسائل الصمتَ الذى يخنقني :

" ما للجمال مشيُها وئيدا ..؟! "

" أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟! "

فمن تُرى يصدُقْني ؟

أسائل الرَّكع والسُّجودا

أسائل القيودا :

" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "

" ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! "

ماذا تفيد الكلمات البائسةْ ؟

قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..

فاتهموا عينيكِ ، يازرقاء ، بالبوارْ !

قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجارْ ..

فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !

وحين فُوجئوا بحدّ السيف : قايضوا بنا ..

والتمسوا النجاةَ والفرارْ !

ونحن جرحى القلبِ ،

جرحى الروحِ والفم .

لم يبق إلا الموتُ ..

والحطامُ ..

والدمارْ ..

وصبية مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ

ونسوةٌ يُسقن فى سلاسل الأسرِ ،

وفي ثياب العارْ

مطأطئات الرأس .. لا يملكن إلا الصرخات التاعسةْ !

ها أنت يا زرقاءْ

وحيدةٌ .. عمياءْ !

وما تزال أغنياتُ الحبّ .. والأضواءْ

والعرباتُ .. الفارهاتُ .. والأزياء !

فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها

كى لا أعكّر الصفاء .. الأبلهَ .. المموَّها .

فى أعين الرجال والنساءْ !؟

وأنت يا زرقاء ..

وحيدة .. عمياء !

وحيدة .. عمياء !

 

 

 

 

يوميات كهل صغير السن

 

عينا القطةِ تنكمشان ..

فيدق الجرسُ الخامسةَ صباحاً!

أتحسس ذقنى النابتةَ .. الطافحةَ بُثُوراً وجراحا

( .. أسمع خطو الجارة فوق السقف

وهى تُعد لساكن غرفتها الحمَّام اليومّي

دفء الأغطية ، خرير الصنبور

خشخشةُ المذياع ، عذوبة جسدي المبهور

(.. والخطو المتردد فوقي ليس يكف ..!)

لكني فى دقة بائعة الألبان :

تتوقف فى فكي .. فرشاة الأسنان !

فى الشارع ..
أتلاقى – فى ضوء الصبح – بظلي الفارع :

نتصافح بالأقدام !

 

 

 

 

ولادة مختلفة

 

بيدٍ تضغط ثقب الجرح ،

والأخرى على حرف الزناد !

 

 

 

 

بقشيش

 

حين دلفتُ داخل المقهى

جرَّدني النادلُ من ثيابى

جردتُه بنظرة ارتيابِ

بادلتُه الكُرْها !

لكنني منحتُه القرشَ : فزيَّن الوجها ..

ببسمةٍ .. كلبيَّةٍ .. بَلْها .

ثم رسمتُ وجهه الجديدَ .. فوق علبةِ الثقابِ !