طارق بن عبدالعزيز أبوعبيد
من السهل علينا ان نشتم اسرائيل التي قتلت الأبرياء في فلسطين ولبنان والدول العربية ونشتم أمريكا التي تساند إسرائيل بطريقة واضحة ومكشوفة بدون حياء, لكن هل تساءلنا عن دورنا فيما حدث؟ اننا بلاشك نغفل احدى سنن الله في الكون هي قانون (السبب والنتيجة) فقتل محمد الدرة ليس هو المشكلة بل هو الع ر ض والنتيجة لمشكلة أكبر وهي نحن. فما وصلنا إليه كأمة من ضعف وتشتت هو الذي جرأ الإسرائيليين على قتله ولو كان محمد الدرة اسرائيليا لما فكر أحد في ايذائه. إن أول ما يضحك في أمرنا هو اننا ننتظر من أمريكا الإنصاف وان تنقذنا من هذا الظلم, وهذا عجيب لأسباب منها اننا نعتقد اننا مهمين بالنسبة لأمريكا وللعالم أكثر مما يجب والحقيقة ان من يهم بالنسبة لأمريكا والعالم الغربي هو اليهود. فهذا الشعب الذي ذاق مرارة التيه منذ أيام موسى عليه السلام وإلى عصر قريب وكان منبوذا ومحتقرا لدى العالم أجمع كماتعكسه أعمال دستويفسكي و(تاجر البندقية) لشكسبير وبعض أعمال تشارلزوكنز, قد استطاع ان يسيطرعلى مراكز القوة والتأثير في كثير من دول العالم: في البيت الأبيض والاقتصاد العالمي والبنوك وصناعة السينما كشركات (وارنر) و(بارامونت) و(مترو) وغيرها ووكالات الأنباء مثل رويترز واسوشيتدبرس ويونايتدبرس والصحف المؤثرة كصحيفة التايمز البريطانية التي يمتلكها مردوخ وصحف تفوق العشرين يملكها يهود في بريطانيا وعدد أكبر من الصحف الأمريكية. واستطاع ان يصبح في اسرائيل أكبر معدل للمهندسين والعلماء نسبة إلى عدد السكان في العالم. وكل هذا لم يأت صدفة بل كان نتيجة تخطيط مدروس ومؤتمرات وقمم انتهت إلى ما نرى وليس كمؤتمراتنا وقممنا العربية التي تكتفي بالشجب والتنديد. ونحن مازلنا نطالب أمريكا باحترامنا كشعب ونحن لا نملك التأثير لاقناع الناخب الأمريكي والشعوب الغربية بذلك, بل اننا لم نعرف كيف نتدبر أمورنا الداخلية حتى نؤثر على الآخرين . ففي حين يتبرع مليونيرات اليهود لإسرائيل في كثير من دول العالم لأن الصهيونية تجري في دمائهم, ننشغل نحن في العالم العربي بانتماءاتنا المذهبية والعرقية والطائفية والشعارات والايدلوجيات المستوردة ونهدي قصائد المديح والفخر لا لديننا وعقيدتنا بل لولاءاتنا القبلية والاقليمية التي لم تؤد إلا إلى الحروب الأهلية منذ داحس والغبراء وحتى حروب الصومال والسودان والجزائر ولبنان وكأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه عن أبي عبيدة بن الجراح يشر ح طبيعتنا لعرب حين قال: (إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله). وفي حين استفادت اليابان من قصف هيروشيما وناجازاكي لاتزال بعض الدول تواجه العدوان عبر فضائياتها بالرقص وهز الخصور. ونحن نظن اننا قادرون على غلب إسرائيل وإيقاف قتل الفلسطينيين الأبرياء ونحن لم نوقف شلالات الدم التي تجري في شوارعنا ولم نستطع تعليم شعوبنا التصرف الحضاري والإنساني في قيادة السيارات وننقذ القتلى الذين فاق عددهم أضعاف من مات منذ احتلال إسرائيل لفلسطين وحتى الآن. وبالله عليكم أين الكفاءات التي تجعل العالم يحترمنا ويحتاج إلى عقولنا وكثير من الدول العربية تشكو من الأمية واداراتها الحكومية صارت رمزا للتسيب الاداري والتخلف الاداري الذي أضاع ميزانياتها في دهاليز الروتين. ونحن ننكر على أمريكا موقفها الداعم لإسرائيل أخلاقيا وكأن ما يجري في العالم العربي من قبل بعض حكامه مثال للأخلاق والمكارم. هل يحق لنا كعرب ان نتحدث عن المبادئ والأخلاق ولدينا قائد مثل صدام حسين الذي يزعم أنه سينقذ فلسطين وهو قد قتل شعبه في حلبجة وقطع آذان تجار في بغداد باعوا الطعام بدون إذن رسمي. وغزا جيرانه في إيران واحتل الكويت. هل نتحدث عن الأخلاق وهناك من يؤيده تحت شعار العروبة والثقافة. انني اتمنى ان نتصف بالشجاعة ونوجه بعضا من اللوم لأنفسنا, فإسرائيل دولة طفيلية ما كان لها ان تنبت لولا وجود مستنقع عربي خصب. ومحمد الدرة ما كان ليموت ويذهب دمه هدرا لو كان الإسرائيليون يعلمون انهم أمام شعوب ذات قوة وحضارة, فمن أمن العقاب أساء الأدب. فهل مازلنا نعتقد ان اسرائيل فقط هي التي قتلت محمد الدرة. |