نزار قباني

 

إلى عصفورة سويسرية

 

أصديقتي : إن الكتابة لعنة

فانجي بنفسك من جحيم زلازلي

فكرت أن دفاتري هي ملجأي

ثم اكتشفت بأن شعري قاتلي

وظننت أن هواك ينهي غربتي

فمررت مثل الماء بين أناملي

بشرت في دين الهوى.. لكنهم

في لحظة،قتلوا جميع بلابلي

لافرق في مدن الغبار .. صديقتي

مابين صورة شاعر.. ومقاولِ..

...

 

يارب: إن لكل جرح ساحلا

وأنا جراحاتي بغير سواحلِ

كل المنافي لا تبدد وحشتي

مادام منفاي الكبير .. بداخلي

 

 

 

شكوى

 

أشكوك للسماء

أشكوك للسماء

كيف استطعت ،

كيف ،

أن تختصري

جميع ما في الأرض من نساء

 

 

وشاية

 

أنا عنك ماأخبرتهم .. لكنهم

لمحوك تغتسلين في أحداقي

أناعنك ماكلمتهم .. لكنهم

قرأوك في حبري وفي أوراقي

للحب رائحة .. وليس بوسعها

أن لاتفوح .. مزارع الدراق

 

 

ضبابية

 

إني أحبك عندما تبكينا

وأحب وجهك غائما وحزينا

الحزن يصهرنا معا ويذ يبنا

من حيث لاأدري ولاتدرينا

تلك الدموع الهاميات أحبها

وأحب خلف سقوطها تشرينا

بعض النساء وجوههن جميلة

وتصير أجمل .. عندما يبكينا

 

 

مسافرة

 

مازلت يامسافره

مازلت بعد السنة العاشره

مزروعة

كالرمح في الخاصره..

 

 

تبرير

 

لأن حبي لك فوق مستوى الكلام

قررت أن أسكت ..

والسلام..

 

 

 

مقهى الهوى

 

مقهى الهوى،فرغت مقاعده

حولي،

وما أكملت فنجاني !!

خلاصة القضية

خلاصة القضية

توجز في عباره

لقد لبسنا قشرة الحضاره

والروح جاهليه ..

 

 

 

أصنام

 

هم يقطعون النخل في بلادنا

ليزرعوا مكانه ..

للسيد الرئيس ، غابات من الأصنام !

لم يطلب الخالق من عباده

أن ينحتوا يوما له

مليون تمثال من الرخام !!

 

 

 

مطر

 

وعدتك ..

أن لا أكون هنا بعد خمس دقائق ..

ولكن .. إلى أين أذهب ؟

إن الشوارع مغسولة بالمطر ..

إلى أين أدخل ؟

إن مقاهي المدينة مسكونة بالضجر ..

إلى أين أبحر وحدي ؟

وأنت البحار ..

وأنت القلوع ..

وأنت السفر ..

فهل ممكن ..

أن أظل لعشر دقائق أخرى

لحين انقطاع المطر ؟

أكيد بأني سأرحل بعد رحيل الغيوم

وبعد هدوء الرياح ..

وإلا ..

سأنزل ضيفا عليك

إلى أن يجيء الصباح ....

 

 

 

موسيقى

 

أمطار أ وروبا

نعزف سوناتات بيتهوفن

وأمطار الوطن ..

نعزف جراحات سيد درويش

وأنا بدون تردد

مع هذا الإسكندراني

الذي يضيء في حنجرته قمر الحزن ..

ومآذن سيدنا الحسين ..

 

 

 

طبيعة الرجل

 

يحتاج الرجل إلى دقيقة واحده

ليعشق امرأه ...

ويحتاج إلى عصور لنسيانها ...

 

 

 

 

موال شامي

 

لقد كتبنا .. وأرسلنا المراسيلا

وقد بكينا .. وبللنا المناديلا

قل للذين بأرض الشام قد نزلوا

قتيلكم لم يزل بالعشق مقتولا ..

ياشام .. ياشامة الدنيا ، ووردتها

يامن بحسنك أوجعت الأزاميلا

وددت .. لو زرعوني فيك مئذنة

أو علقوني على الأبواب قنديلا ..

يابلدة السبعة الأنهار .. يابلدي

وياقميصا بزهر الخوخ مشغولا

ويا حصانا تخلى عن أعنته ..

وراح يفتح معلوما .. ومجهولا ..

هواك يا بردى ، كالسيف يسكنني

وما ملكت لأمر الحب تبديلا ..

ما للدمشقية الكانت حبيبتنا ..

لا تذكر الآن طعم القبلة الأولى ..

أيام في دمر كنا .. وكان فمي

على ضفائرها حفرا .. وتنزيلا ..

والنهر يسمعنا أحلى قصائده

والسرو يلبس بالساق الخلاخيلا

يامن على ورق الصفصاف يكتبني

شعرا .. وينقشني في الأرض أيلولا ..

يامن يعيد كراريسي ، ومدرستي ..

والقمح ، واللوز ، والزرق المواويلا

ياشام . إن كنت أخفي ما أكابده

فأجمل الحب . حب- بعد – ما قيلا ..

 

 

 

 

أكتبي لي

 

إلي اكتبي ما شئت .. إني أحبه

وأتلوه شعرا .. ذلك الأدب الحلوا

وتمتص أهدابي انحناءات ريشة

نسائية الرعشات .. ناعمة النجوى

علي اقصصي أنباء نفسك .. وابعثي

بشكواك ، من مثلي يشاركك الشكوى ؟

لتفرحني تلك الوريقات حبرت

كما تفرح الطفل الألاعيب والحلوى

وما كان يأتي الصبر .. لولا صحائف

تسلم لي سرا .. فتلهمني السلوى

أحن إلى الخط المليس .. ورقعة

تطاير كالنجمات أحرفها النشوى

أحسك مابين السطور ضحوكة

تحدثني عيناك في رقة قصوى

تغلغلت في بال الحروف مشاتلا

وصوتا حريري الصدى ،وادعا ،حلوا

رسائلك الخضراء .. تحيا بمكتبي

مساكب ورد تنشر الضوء والصحوا

زرعت جواريري شذا وبراعما

وأجريت في أخشابها الماء والسروا ..

إلي اكتبي . إما وجدت وحيدة

تدغدغك الأحلام في ذلك المأوى

ومرت على لين الوسادة صورتي

تخضبها دمعا .. وتغرقها شجوا

وما بك ترتابين ؟ هل من غضاضة

إذا كتبت أخت الهوى للذي تهوى ؟

ثقي بالشذا يجري بشعرك أنهرا

رسائلك النعماء في أضلعي تطوى

 

 

 

 

الشعر

 

الشعر ..

هو السلطة الحقيقية في هذا العالم .

وحين سيصحح التاريخ أ خطاءه

سيكتشف :

أن فيرجيل .. أهم من يوليوس قيصر.

وبوشكين .. أهم من بطرس الأكبر .

وشيكسبير .. أهم من الملكة فيكتوريا.

وبول فاليري .. أهم من نابو ليون ..

والمتنبي .. أهم من سيف الدولة .

ومحمود درويش .. أهم من ياسر عرفات ...

 

 

 

 

الحزن

 

الحزن هو ليل هذا العالم

خرجت أهم قصائدي

وخرجت أنا ...

أراقب الحزن وهو يتجول في زوايا غرفتي

يجلس على مكتبي..

ويضع الأزهار الصفراء في مزهريتي

ويتمدد على فراشي ..

ويصنع لي قهوتي الصباحية ..

فهل أصبح الحزن زوجتي ؟

 

 

 

 

المنفى

 

أنالا أعتبر المنفى عملا تراجيديا

بل أعتبره مسرحا تجريبيا

يحررني من ديكتاتورية النص ..

ورتابة السيناريو ..

وغرابة ملابسي الفولكلورية ...

الشعر العربي العظيم

كان دائما شعرا مهاجرا .. أو مهجرا ..

ولم يكن شعرا مقيما .

والإبداع العربي الأصيل

لم يحدث في رحم الوطن ..

وإنما حدث خارجه ...

إن قائمة المنفيين من الشعراء العرب

طويلة جدا ..

إبتداء من نقيب المنفيين أبي الطيب المتنبي

حتى أدونيس .. ومحمود درويش .. وسعدي

يوسف .. ومظفر النواب ..

ليس ضروريا أن نعيش في فندق الوطن

حتى نكتب عنه شعرا جميلا ...

الوطن هو تشكيل ذهني

وعلاقة عشق سرية

يمكن أن تحدث ..

في أي فندق في العالم ...

 

 

 

 

 

اعتقال الحلم

 

يمكنك بكل سهولة أن تعتقل إنسانا..

ولكن من المستحيل أن تعتقل حلما !!

 

 

 

 

شعراء السباغيتي

 

العاصفة هي الحصان الوحيد الذي يليق بالشاعر

أن يركبه.. فالشاعر الذي لايعرف الغضب ،ولا

يتصادم مع عصره ،هو طبق (سباغيتي) سهل البلع..

وسهل الهضم ..

وأنا لا أريد أن أكون شاعرا من (شعراء السباغيتي)

.. وما أكثرهم ...

 

 

 

 

تعريف للشعر

 

أعظم تعريف للشعر سمعته من فم طفل في الثانية

عشرة ، كان يحاورني في معرض الكتاب في بيروت :

"إنني أحبك ، ياعمو نزار ، لأن شعرك يشبهني !! ." .

 

 

 

 

تفاصيل

 

شؤون صغيره

تمر بها أنت دون التفات

تساوي لدي حياتي

جميع حياتي ..

حوادث قد لا تثير اهتمامك

أعمر منها قصور

وأحيا عليها شهور

وأغزل منها حكايا كثيره

وألف سماء .. وألف جزيره

شؤون .. شؤونك تلك الصغيره ...

 

 

 

 

عيناك

 

عيناك .. كنهري أحزان

نهري موسيقى حملاني

لوراء .. وراء الأزمان

نهري موسيقى قد ضاعا

سيدتي ، ثم أضاعاني

الدمع الأسود .. فوقهما

يتساقط أنغام بيان

عيناك .. وتبغي .. وكحولي ..

والقدح العاشر أعماني

وأنا في المقعد .. محترق

نيراني تأكل نيراني

أأقول أحبك .. ياقمري

آه لو كان بإمكاني

فأنا لا أملك في الدنيا

إلا عينيك .. وأحزاني

سفني في المرفأ باكية

تتمزق فوق الخلجان

ومصيري الأصفر حطمني

حطم في صدري إيماني

ياصيفي الأخضر .. ياشمسي

ياأجمل .. أجمل ألواني

هل أرحل عنك ؟ . وقصتنا

أحلى من عودة نيسان

أحلى من زهرة غاردينيا

في عتمة شعر إسباني

ياحبي الأوحد .. لا تبكي

فدموعك تحفر وجداني

إني لا أملك في الدنيا

إلا عينيك .. وأحزاني

أأقول أحبك .. ياقمري

آه لو كان بإمكاني

فأنا إنسان مفقود

لا أعرف في الأرض مكاني

ضيعني دربي .. ضيعني

إسمي .. ضيعني عنواني

تاريخي ؟ ما لي تاريخ

إني نسيان النسيان

إني مرساة لا ترسو

جرح بملامح إنسان

ماذا أعطيك ؟ أجيبيني

قلقي ؟ أنوائي ؟ غثياني ؟

ماذا أعطيك سوى قدر

يرقص في كف الشيطان

أنا ألف أحبك .. فابتعدي

عني .. عن ناري ودخاني

فأنا لا أملك في الدنيا

إلا عينيك .. وأحزاني

 

 

 

 

أنا هنا

 

أنا هنا ..بعد عام من قطيعتنا

ألا تمدين لي بعد الرجوع يدا ؟

ألا تقولين : ما أخبارها سفني ؟

أنا المسافر في عينيك دون هدى

حملت من طيبات الصين قافلة

وجئت أطعم عصفورين قد رقدا

وجئت أحمل تاريخي على كتفي

وحاضرا مرهق الأعصاب ، مضطهدا

ماذا أصابك ؟ هل وجهي مفاجأة

وهل توهمت أني لن أعود غدا ؟

ما للمرايا على جدرانها اختجلت

لما دخلت ، وما للطيب قد جمدا

ما لون عينيك ؟ إني لست أذكره

كأنني قبل لم أعرفهما أبدا

إني لأبحث في عينيك عن قدري

وعن وجودي ، ولكن لا أرى أحدا ..

 

 

 

كتاب يديك

 

كتاب يديك .. أمير الكتب

ففيه قصائد مطلية بالذهب

وفيه نصوص مطعمة بخيوط القصب .

وفيه مجالس شعر

وفيه جداول خمر

وفيه غناء

وفيه طرب .

يداك سرير من الريش ..

أغفو عليه ،

إذا ما اعتراني التعب

يداك ..

هما الشعر ، شكلا ومعنى

ولولا يداك ..

لما كان شعر

ولا كان نثر

ولا كان شيء يسمى أدب .

كتاب يديك

كتاب صغير .. صغير ..

ولكنه صار موسوعتي

فمنه تعلمت ،

كيف النحاس الدمشقي يطرق

كيف تحاك خيوط الحرير .

ومنه تعلمت ،

كيف الأصابع تكتب شعرا

وأن حقولا من القطن

يمكنها أن تطير ...

كتاب يديك ، كتاب ثمين

يذكرني بكتاب (الأغاني) ،

و(طوق الحمامة) ،

و(مجنون إلزا) ،

وأشعار لوركا

وبابلو نيرودا ،

ومن أشعلو في الكواكب

نار الحنين ..

كتاب يديك ..

يشابه أزهار أمي

فأول سطر من الياسمين .

وآخر سطر من الياسمين .

يداك ..

كتاب التصوف ، والكشف ،

والرقص في حلقات الدراويش

والحالمين ..

إذا ما جلست لأقرأ فيه

أصلي على سيد المرسلين ...

كتاب يديك

طريق إلى الله ،

يمشي عليه الألوف من المؤمنين

وبرق يضيء السماء

وعزف جميل على المندولين .

كتاب يديك ، كتاب أصول

وشعر .. وحب ..

وفقه .. ودين ..

تخرجت منه إماما

وعمري ثلاث سنين ...

كتاب يديك

يوزع خبز الثقافة كل نهار

على الجائعين ..

ويعطي دروس المحبة للعاشقين

ويلمع كالنجم ، في عتمة الضائعين

وكنت أنا ضائعا ، مثل غيري

إلى أن قرأت كتاب يديك

فأدركت نور اليقين .

حديث يديك ،

خلال العشاء

يغير طعم النبيذ ،

وشكل الأواني .

أحاول فهم حوار يديك

ولا زلت أبحث عما وراء المعاني

فإصبعة تستثير خيالي

وأخرى تزلزل كل كياني .

حمام ...

حمام...

يحط على كتفي

فمن أين هذا الحمام أتاني ؟

و(موزارت)يصحو .. ويرقد

فوق مفاتيح هذا البيان

ويغسلني بحليب النجوم .

وينقلني من حدود المكان .

لماذا أضيع

أمام يديك اتزاني ؟

إذا ما لعبت بزر قميصي

تحولت فورا ،

إلى غيمة من دخان ...

 

 

 

 

الليل

 

لم يبق في شوارع الليل

مكان أتجول فيه ..

أخذت عيناك ..

كل مساحة الليل ...

 

 

 

 

أحلى خبر

 

كتبت (أحبك) فوق جدار القمر

(أحبك جدا) ..

كما لا أحبك يوما بشر

ألم تقرأيها ؟

بخط يدي

فوق سور القمر

وفوق كراسي الحديقة ..

فوق جذوع الشجر

وفوق السنابل

فوق الجداول

فوق الثمر ..

وفوق الكواكب تمسح عنها

غبار السفر ؟ .

حفرت (أحبك) فوق عقيق السحر

حفرت حدود السماء

حفرت القدر ..

ألم تبصريها ؟

على ورقات الزهر

على الجسر ،والنهر ، والمنحدر

على صدفات البحار

على قطرات المطر

ألم تلمحيها ؟

على كل غصن

وكل حصاة ، وكل حجر

كتبت على دفتر الشمس

أحلى خبر ..

(أحبك جدا)

فليتك كنت قرأت الخبر ...

 

 

 

 

حقائب البكاء

 

إذا أتى الشتاء ..

وحركت رياحه ستائري

أحس يا صديقتي

بحاجة إلى البكاء

على ذراعيك ..

على دفاتري ..

إذا أتى الشتاء

وانقطعت عندلة العنادل

وأصبحت ..

كل العصافير بلا منازل

يبتديء النـزيف في قلبي .. وفي أناملي ..

كأنما الأمطار في السماء

تهطل ياصديقتي في داخلي ...

عندئذ .. يغمرني

شوق طفولي إلى البكاء ..

على حرير شعرك الطويل كالسنابل ..

كمركب أرهقه العياء

كطائر مهاجر ..

يبحث عن نافذة تضاء

يبحث عن سقف له ..

في عتمة الجدائل ...

إذا أتى الشتاء ..

واغتال ما في الحقل من طيوب ..

وخبأ النجوم في ردائه الكئيب

يأتي إلي الحزن من مغارة المساء

يأتي كطفل شاحب غريب

مبلل الخدين والرداء ..

وأفتح الباب لهذا الزائر الحبيب

أمنحه السرير .. والغطاء

أمنحه .. جميع ما يشاء

من أين جاء الحزن يا صديقتي ؟

وكيف جاء ؟

يحمل لي في يده ..

زنابقا رائعة الشحوب

يحمل لي ...

حقائب الدموع والبكاء ..

 

 

 

 

 

إلى تلميذة

 

قل لي – ولو كذبا – كلاما ناعما

قد كاد يقتلني بك التمثال ..

ما زلت في فن المحبة .. طفلة

بيني وبينك أبحر وجبال

لم تستطيعي – بعد- أن تتفهمي

أن الرجال جميعهم .. أطفال

إني لأرفض أن أكون مهرجا

قزما ..على كلماته يحتال

فإذا وقفت أمام حسنك صامتا

فالصمت في حرم الجمال .. جمال

كلماتنا في الحب .. تقتل حبنا

إن الحروف تموت حين تقال

قصص الهوى قد أفسدتك .. فكلها

غيبوبة .. وخرافة .. وخيال

الحب ليس رواية شرقية

بختامها يتزوج الأبطال ..

لكنه الإبحار دون سفينة

وشعورنا أن الوصول محال

هو أن تظل على الأصابع رعشة

وعلى الشفاه المطبقات سؤال

هو جدول الأحزان في أعماقنا

تنمو كروم حوله ، وغلال

هو هذه الأزمات تسحقنا معا

فنموت نحن .. وتزهر الآمال

هو أن نثور لأي شيء تافه

هو يأسنا .. هو شكنا القتال

هو هذه الكف التي تغتالنا

ونقبل الكف التي تغتال ..

لا تجرحي التمثال في إحساسه

فلكم بكى في صمته .. تمثال

قد يطلع الحجر الصغير براعما

وتسيل منه جداول وظلال

حسبي وحسبك .. أن تظلي دائما

سرا يمزقني .. وليس يقال ..

 

 

 

 

تريدين

 

تريدين .. مثل جميع النساء

كنوز سليمان ، مثل جميع النساء

وأحواض عطر .. وأمشاط عاج .. وسرب إماء

تريدين مولى .. يسبح باسمك كالببغاء

يقول .. (أحبك) عند الصباح

يقول : (أحبك) عند المساء

ويغسل رجليك بالخمر ..

ياشهرزاد النساء !!

تريدين مثل جميع النساء

تريدين مني نجوم السماء

وأطباق من .. وأطباق سلوى ..

وخفين من زهر الكستناء

تريدين من شنغهاي الحرير

ومن أصفهان ، جلود الفراء

ولست نبيا من الأنبياء ..

لألقي عصاي .. فينشق بحر

ويولد بين الغمائم قصر

جميع حجارته من ضياء ..

تريدين مثل جميع النساء

مراوح ريش .. وكحلا .. وعطرا ..

تريدين عبدا شديد الغباء

ليقرأ عند سريرك شعرا ..

تريدين في لحظتين اثنتين

بلاط الرشيد ، وإيوان كسرى

وقافلة من عبيد وأسرى

تجر ذيولك يا كليوبترا ..

ولست أنا سندباد الفضاء

لأ حضر بابل بين يديك

وأهرام مصر .. وإيوان كسرى ..

وليس لدي سراج علاء

لآتيك بالشمس فوق إناء ..

كما تتمنى جميع النساء ..

وبعد .. أيا شهرزاد النساء

أنا عامل من دمشق فقير

رغيفي أغمسه بالدماء

شعوري بسيط .. وأجري بسيط ..

وأؤمن بالخبز والأولياء ..

وأحلم بالحب كالآخرين

وزوج تخيط ثقوب ردائي ..

وطفل ينام على ركبتي

كعصفور حقل .. كزهرة ماء ..

أفكر بالحب كالآخرين

لأن المحبة مثل الهواء

لأن المحبة شمس تضيء

على الحالمين وراء القصور ..

على الكادحين .. على الأشقياء ..

ومن يملكون سرير حرير ..

ومن يملكون سرير بكاء ..

تريدين مثل جميع النساء ..

تريدين ثامنة المعجزات

وليس لدي سوى كبريائي ...

 

 

 

 

حديث يديها

 

قليلا من الصمت ..

يا جاهله ..

فأجمل من كل هذا الحديث

حديث يديك

على الطاوله ..

 

 

 

 

إنها تمطر ياسمينا

 

عندما يضربنا الحب على غير انتظار

كيف نغدو كالتلاميذ الصغار ؟

أبرياء ، ساذجينا

ولماذا عندما تضحك محبوبتنا

تمطر الدنيا علينا ياسمينا ؟

 

 

 

 

الملوك الأسرى

 

ما نسمي ذلك الحب الذي يدخل كالسكين فينا ؟

أنسميه صداعا ..

أم نسميه جنونا

كيف نغدو – عندما نعشق – أسرى

بعد ما كنا ملوكا فاتحينا ؟

 

 

 

 

يحدث .. يحدث

 

يحدث أحيانا أن أبكي

مثل الأطفال بلا سبب

يحدث أن أسأم من عينيك الطيبتين

بلا سبب .

يحدث أن أتعب من كلماتي ،

من أوراقي ،

من كتبي .

يحدث أن أتعب من تعبي .

 

 

 

 

نقش كوفي

 

محفورة أنت على وجه يدي

كأحرف كوفية على جدار مسجد .

 

 

 

 

وسامة

 

قولي أحبك.. كي تزيد وسامتي

فبغير حبك ، لا أكون جميلا ...

 

 

 

 

قصيدة بلقيس

 

بلقيس كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل

بلقيس كانت أطول النخلات في أرض العراق

قتلوك يابلقيس ، أية أمة عربية

تلك التي تغتال أصوات البلابل ؟

هل تعرفون حبيبتي بلقيس ؟

فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام

كانت مزيجا رائعا ، بين القطيفة والرخام

كان البنفسج بين عينيها ينام .. ولا ينام ..

بلقيس ، يا عطرا بذاكرتي ، وياقبرا يسافر في الغمام

قتلوك في بيروت ، مثل أي غزالة

من بعدما قتلو ا الكلام ..

بلقيس ، ليست هذه مرثية

لكن على العرب السلام .

بلقيس ، يابلقيس ، يابلقيس

كل غمامة تبكي عليك ، فمن ترى يبكي عليا

بلقيس .. كيف رحلت صامتة ولم تضعي يديك على يديا

بلقيس ، كيف تركتنا في الريح ، نرجف مثل أوراق الشجر

وتركتنا – نحن الثلاثة – ضائعين كريشة تحت المطر

أتراك ، ما فكرت بي ؟

وأنا الذي يحتاج حبك ، مثل (زينب) أو (عمر)

بلقيس أيتها الصديقة ، والرفيقة ، والرقيقة

مثل زهرة أقحوان

يا من تحديت الغيوم ترفعا

من أين جئت بكل هذا العنفوان ؟

بلقيس ، ما أنت التي تتكررين ،

فما لبلقيس أثنتان ..

بلقيس ،

تذبحني التفاصيل الصغيرة في علاقتنا

وتجلدني الدقائق والثواني

فلكل دبوس صغير قصة

ولكل عقد من عقودك قصتان

حتى ملاقط شعرك الذهبي تغمرني كعادتها بأمطار الحنان

ومن المرايا تطلعين ،من الخواتم تطلعين ،

من الشموع ، من الكؤوس ، من النبيذ الأرجواني ..

بلقيس ، يابلقيس ، لو تدرين ما وجع المكان

فهناك كنت تدخنين ،

هناك كنت تطالعين ،

هناك كنت كنخلة تتمشطين ،

وتدخلين على الضيوف ، كأنك السيف اليماني .

بلقيس ،

إن قضاءنا العربي ، أن يغتالنا عرب ،

ويأكل لحمنا عرب

ويبقر بطننا عرب

فكيف نفر من هذا القضاء ؟

فالخنجر العربي ليس يقيم فرقا

بين أعناق الرجال ، وبين أعناق النساء

بلقيس ،

إن هم فجروك ، فعندنا

كل الجنائز تبتدي في كربلاء ..

وتنتهي في كربلاء ..

بلقيس ،

ياقمري الذي طمروه مابين الحجارة

الآن ترتفع الستارة

الآن ترتفع الستارة

سأقول في التحقيق إني أعرف الأسماء ، والأشياء

والسجناء ، والشهداء ، والفقراء ، والمستضعفين .

وأقول إني أعرف السياف قاتل زوجتي

ووجوه كل المخبرين .

وأقول إن زماننا العربي مختص بذبح الياسمين

وبقتل كل الأنبياء ، وقتل كل المرسلين .

من يوم أن نحروك ، يابلقيس ، ياأحلى وطن

لا يعرف الإنسان كيف يعيش في هذا الوطن

لا يعرف الإنسان كيف يموت في هذا الوطن

بلقيس أيتها الشهيدة ، والقصيدة ، والمطهرة النقيه

بلقيس ياعصفورتي الأحلى ، ويا أيقونتي الأغلى ،

ويا دمعا تناثر فوق خد المجدليه .

هانحن ندخل مرة أخرى لعصر الجاهليه

حيث الكتابة رحلة بين الشظية والشظيه

حيث اغتيال فراشة في حقلها

صار القضيه .

لما تناثر جسمك الضوئي لؤلؤة كريمه

فكرت : هل قتل النساء هواية عربية

أم أننا في الأصل محترفو جريمه .

 

من مفكرة عاشق دمشقي

 

فرشت فوق ثراك الطاهر الهدبا

فيا دمشق ، لماذا نبدأ العتبا ؟

حبيبتي أنت .. فاستلقي كأغنية

على ذراعي ، ولا تستوضحي السببا

أنت النساء جميعا .. ما من امرأة

أحببت بعدك ، إلا خلتها كذبا

يا شام . إن جراحي لا ضفاف لها

فمسحي عن جبيني الحزن والتعبا

وأرجعيني إلى أسوار مدرستي

وأرجعي الحبر ، والطبشور ، والكتبا

تلك الزواريب ، كم كنز طمرت بها

وكم تركت عليها ذكريات صبا

وكم رسمت على حيطانها صورا

وكم كسرت على أدراجها لعبا

أتيت من رحم الأحزان .. ياوطني

أقبل الأرض ، والأبواب ، والشهبا

حبي هنا . وحبيباتي ولدن هنا

فمن يعيد لي العمر الذي ذهبا

أنا قبيلة عشاق بكاملها

ومن دموعي سقيت البحر والسحبا

فكل صفصافة حولتها امرأة

وكل مئذنة رصعتها ذهبا ..

هذي البساتين .. كانت بين أمتعتي

لما ارتحلت عن الفيحاء ، مغتربا

فلا قميص من القمصان ألبسه

إلا وجدت على خيطانه عنبا

كم مبحر .. وهموم البر تسكنه

وهارب من قضاء الحب ، ما هربا

يا شام . أين هما عينا معاوية

وأين من زحموا بالمنكب الشهبا

فلا خيول بني حمدان راقصة

زهوا ، ولا المتنبي ماليء حلبا

وقبر خالد في حمص نلامسه

فيرجف القبر من زواره غضبا

يارب حي .. رخام القبر مسكنه

ورب ميت ، على أقدامه انتصبا

يا بن الوليد .. ألا سيف تؤجره

فكل أسيافنا قد أصبحت خشبا ..

دمشق . يا كنـز أحلامي ، ومروحتي

أشكو العروبة أم أشكو لك العربا ؟

أدمت سياط حزيران ظهورهم

فأدمنوها .. وباسوا كف من ضربا

وطالعوا كتب التاريخ .. واقتنعوا

متى البنادق كانت تسكن الكتبا ؟

سقوا فلسطين أحلاما ملونة

وأطعموها سخيف القول والخطبا ..

عاشوا على هامش الأحداث ، ما انتفضوا

للأرض منهوبة ، والعرض مغتصبا ..

وخلفوا القدس فوق الوحل عارية

تبيح عزة نهديها لمن رغبا ..

هل من فلسطين مكتوب يطمئنني

عمن كتبت إليه .. وهو ما كتبا

وعن بساتين ليمون، عن حلم

يزداد عني ابتعادا .. كلما اقتربا

أيا فلسطين .. من يهديك زنبقة

ومن يعيد لك البيت الذي خربا

شردت فوق رصيف الدمع باحثة

عن الحنان ، ولكن ما وجدت أبا ..

تلفتي .. تجدينا في مباذلنا

من يعبد الجنس ، أو من يعبد الذهبا

فواحد أعمت النعمى بصيرته

فللخنى ، والغواني ، كل ما وهبا

وواحد .. ببحار النفط مغتسل

قد ضاق بالخيش ثوبا .. فارتدى القصبا

وواحد نرجسي في سريرته

وواحد من دم الأحرار قد شربا ..

إن كان من ذبحوا التاريخ .. هم نسبي

على العصور .. فإني أرفض النسبا

يا شام، يا شام ما في جعبتي طرب

أستغفر الشعر أن يستجدي الطربا

ماذا سأقرأ من شعري ، ومن أدبي ؟

حوافر الخيل داست عندنا الأدبا ..

وحاصرتنا .. وآذتنا .. فلا قلم

قال الحقيقة إلا اغتيل أو صلبا

يا من يعاتب مذبوحا على دمه

ونزف شريانه ، ما أسهل العتبا

من جرب الكي ، لا ينسى مواجعه

ومن رأى السم ، لا يشقى كمن شربا

حبل الفجيعة ملتف على عنقي

من ذا يعاتب مشنوقا إذا اضطربا ..

الشعر ليس حمامات نطيرها

نحو السماء ، ولا نايا .. وريح صبا

لكنه غضب طالت أظافره

ما أجبن الشعر ، إن لم يركب الغضبا ..

 

 

 

 

أطفال الحجارة

 

بهروا الدنيا ..

وما في يدهم إلا الحجاره ..

وأضاؤوا كالقناديل ، وجاؤوا كالبشاره .

قاوموا .. وانفجروا .. واستشهدوا ...

وبقينا دببا قطبية

صفحت أجسادها ضد الحراره ...

قاتلو عنا .. إلى أن قتلوا ..

وجلسنا في مقاهينا .. كبصاق المحاره

واحد .. يبحث منا عن تجاره ..

واحد .. يطلب مليارا جديدا ..

وزواجا رابعا ..

ونهودا صقلتهن الحضاره ..

واحد .. يبحث في لندن عن قصر منيف

واحد .. يعمل سمسار سلاح ..

واحد .. يطلب في البارات ثاره ..

واحد .. يبحث عن عرش ، وجيش ، وإماره ..

آه .. يا جيل الخيانات ..

ويا جيل العمولات ..

ويا جيل النفايات ..

ويا جيل الدعاره ..

سوف يجتاحك – مهما أبطأ التاريخ –

أطفال الحجاره ..

 

 

 

 

حوار مع امرأة غير ملتزمة

 

غيري الموضوع يا سيدتي .

ليس عندي الوقت و الأعصاب

كي أمضي في هذا الحوار ..

إنني في ورطة كبرى مع الدنيا ،

وإحساسي بعينيك كإحساس الجدار ...

قهوتي فيها غبار .

لغتي فيها غبار .

شهوتي للحب يكسوها الغبار ..

أنا آت من زمان الوجع القومي

آت من زمان القبح ،

آت من زمان الإنكسار .

إنني أكتب مثل الطائر المذعور ،

مابين انفجار .. وانفجار ..

هل تظنين بأنا وحدنا ؟

إن هذا الوطن المذبوح يا سيدتي

واقف خلف الستار

فاشرحي لي :

كيف استنشق عطر امرأة ؟

وأنا تحت الدمار .

إشرحي لي :

كيف آتيك بورد أحمر ؟

بعد أن مات زمان الجلنار ..

غيري الموضوع ، ياسيدتي .

غيري هذا الحديث اللاأبالي ..

فما يقتلني إلا الغباء .

سقط العالم من حولك أجزاء ..

وما زلت تعيدين مواويلك مثل الببغاء .

سقط التاريخ . والإنسان . والعقل ..

وما زلت تظنين بأن الشمس

قد تشرق من ثوب جميل

أو حذاء ..

أجلي الحلم لوقت آخر ..

فأنا منكسر في داخلي مثل الإناء .

أجلي الشعر لوقت آخر ..

ليس عندي من قماش الشعر

ما يكفي لإرضاء ملايين النساء ..

أجلي الحب ليوم أو ليومين ..

لشهر أو لشهرين ..

لعام أو لعامين ..

فلن تنخسف الأرض ،

ولن تنهار أبراج السماء ..

هل من السهل احتضان امرأة ؟

عندما الغرفة تكتظ بأساد الضحايا

وعيون الفقراء ؟

إقلبي الصفحة يا سيدتي

علني أعثر في أوراق عينيك

على نص جديد .

إن مأساة حيات&#