غازي القصيـبي
السير في المستحيل
تقولين "قلْها !" ...
ولو قُلتُها مرةً .. مرتيْنِ ..
وعشراً .. وألفا
أيصبحُ هذا الجليدُ المعربدُ في
الروح صيفا ؟
وهذِي الملالةُ بين الضلوعِ
أتصبحُ جَمراً به أتدَفا ؟
"أحبك !" ...
ها أنذا قُلتُها ..
غيرَ أنيَ مازلتُ أرتشفُ الموتَ صِرفا
وما زالتِ الريحُ تَعْصِفُ
بين شفاهكِ عصفا
فهلا اعترفنا
بأن الربيعُ الذي مَر يوماً
علينا ورفا
إلى الموتِِِِِِِِ خَفا
وأن الجنونَ المثيرَ اللذيذَ
تحولَ شَكاً وخوفا
سأحمِلُ عُمري المبعثرَ شِعراً ونزفا
وأرحلُ عنكِ ..
كأنيَ ما عشتُ في ناظريكِ
الأرق .. الأحب .. الأعفا
كأنكِ لم تجعلي الليلَ أرجوحةً ..
والكواكبَ سقفا
وقلبيَ عزفا
كأنكِ ماكنتِ أعذبَ من كل بنتٍ ..
وأشهى .. وأندى .. وأوفى
تعبتُ!
وأشبعني الدهرُ حَرباً وعنفا
بظهرِي وجنبي
أرى السيفَ يَنبِتُ رُمحاً وسيفا
وعيني السّهاد الذي بالسوادِ تخفَّى
هُزِمتُ!
وعاد الطموحُ كطيرٍ جريحٍ
على الفخِّ رَفّا
كأنِّيَ ماكنتُ في صَخَب العُمرِ
أُومِنُ بالحرفِ حُلواً مُقفّى
يحطّم كوناً ..
ويَقهرُ ظلماً ..
ويرتادُ حتفا
ويُنجِبُ قبلَ الشهادةِ حرفا
كأنِّي وُلِدتُ عجوزاً ملولا
على دربِ أوْهامِهِ يتكفّا
إذا متُّ ..
هل تكتبين على الماء :
"أرهقه
السيرُ في المستحيل
فأغفى ! "؟
صدى من الأطلال
كان يومُ العيدِ لقيانا .. وها
عادَ يومُ العيدِ .. ياعيدي الخجولْ
كيف مرَّ العامُ .. يا نشوته ؟
كيف طارَ العامُ .. كالطيرِ العجولْ ؟
كلُّ ما أخشاه أنّي راحلٌ
عن أمانٍ بين عينيك .. تجولْ
فإذا غبتُ .. فقوليِ .. إنّه
قال في عينيكِ .. أحلى ما يَقولْ
كتمَ الشوقَ .. ولو باحَ به
جُنّت الدنيا .. وأشقاكِ الجُنونْ
أمسَكَ الجمْرةَ في قبضتهِ
ما شكا الجِلدُ .. ولا نّمتْ عيونُ
تورقُ البسمةُ في طلعتهِ
وعلى أضلُعِهِ تبكي المَنونْ
يا لبركانٍ .. على ذروتهِ
يخطرُ الصمتُ .. ويختالُ السكونْ
وتلوحين .. فأنسى أنّني
خَبرٌ .. أصبحَ في ذِمّة كانْ
ويعودُ العُمرُ طفلاً جامحاً
ليس يَلويهِ عن اللهو عنانْ
كيف أرجعتِ شبابي كلَّه ؟
كيف أوقفتِ مسيراتِ الزمانْ ؟
وتغيبين .. فتدوي ساعةٌ
جلجلت دقّاتها .. ملْءَ المكانْ