جريدة الرياض الاثنين 13 شوال 1421 العدد الموافق 8 يناير 2001
طارق بن عبدالعزيز أبو عبيد
اشعر في لحظات بغبطة شديدة تجاه شخص مثل (أبوعنتر) في مسلسل (صح النوم), فهذا الرجل شواربه مفتولة وطويلة الى الحد الذي حجبت عن عينيه جوانب عاطفية كانت هاجسا لدى (غوار الطوشة) و(حسني البورزان) اللذين غرقا الى اذنيهما تعلقا بفطوم حيص بيص. وشخصية مثل (أبو عنتر) أو (سي السيد) في روايات نجيب محفوظ ليست الا نموذجا لشخصيات كثيرة في المجتمع تعيش حياتها بأقل قدر ممكن من العاطفة تجاه المحيطين بها.. ربما يكون سبب غبطتي لهم لانني عانيت كثيرا من تعلقي بالأماكن بالناس وقد اصحو يوما لأجد المكان غير المكان والاحبة اما مسافر تحول المسافات دونه او ميت ماتت معه كثير من الابتسامات والايام الحلوة. اصحو فأجدني في منفى أحاول استيطانه حتى اذا ألفته وأصبح مشروع وطن جديد لي تركته ـ وما تتركني ذكراه.. الى مناف اخرى ولوعات جديدة. ألهذا السبب يا ترى قال الشاعر القديم: (ليت الفتى حجر)؟ وهل لذلك يختار البعض الجفاء والانغلاق امام الآخرين او بناء علاقات سطحية معهم خوفا من ان يحدث ما حدث لهم من قبل من فراق او ضيافة او جفاء, فيما ترجمته عند علماء النفس: (اجتناب الألفة)؟ وهل كان هذا سببا في تعنيف آبائنا وامهاتنا لنا في طفولتنا عندما نبكي بقولهم: (لا تبك، أنت ر جـل) مما جعلنا حريصين على ان نخفي عواطفنا تجاه الاحداث والآخرين سلبية كانت تلك العواطف ام ايجابية؟. حتى وان حدث دون ارادتنا ان ابدينا شيئا من عواطفنا او ضعفنا الانساني، فاننا نشعر بالذنب نلوم انفسنا كما قال ابن الدمينة في قصيدته التي مطلعها: (الا يا صبا نجد متى هجت من نجد لقد زادني مسراك وجدا على وجد) حيث ينتقد عواطفه التي لم يستطع التحكم فيها: (أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى على فنن غض النبات من الر ند بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي) وهل لهذا ربما أصبح البكاء مقصورا على الاطفال او النساء؟ فعندما ارادت أم (أبي عبدالله الصغير) آخر ملوك بني الأحمر في غرناطة أن تقر ع ابنها على تفريطه في ملكه قالت له: (ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال). ولكن الدكتورة هناء المطلق في كتابها (الغائب) تنتقد هذا التقسيم والعواطف والنماذج التي ينتجها هذا التقسيم وترى ان الشخصية الرجولية تكون أكمل عندما تمتلك بعض المواصفات الانثوية مثل الرقة والعطف والحنان. وهذا ما يخفف الغبطة لشخصيات مثل (أبي عنتر) و(سي السيد)لأنها ستفقد ايجابيات العلاقة الحميمة مع الآخرين وبالتالي ستفقد الاتزان النفسي والحب الذي يعطي للحياة قيمتها وجمالها. واما العاطفيون الذين يتخذون محبة الآخرين منهجا لحياتهم فليس لهم الا ان يبحثوا في منافيهم عن نوافذ محتملة لأحبة جدد وان يعطروا ايامهم بالذكرى والاشتياق. |