نشر الحوار في جريدة الاقتصادية في يوم الثلاثاء 18 جمادى الأولى 1425 هـ الموافق 6 يوليو 2004م

 

 

أفتش عن حزن وجهي ( ما الذي يريد طارق أبو عبيد قوله وهو يدشن لمشروعه الشعري بعنوان كهذا ؟

أشار الدكتور غازي القصيبي إلى نزار قباني الجديد عند حديثة عن طارق أبو عبيد . كيف استقبلت هذه التسمية ؟

هل تشعر إذن بأنك تحت مجهر من نوع معين ، لمجرد تناصك ـ كما يرى الدكتور غازي القصيبي ـ مع بعض أشكال نزار ؟

أنت من الأسماء التي حازت الكثير من الآمال بتحقيق منجز شعري من نوع خاص . أصحابها شعراء ومتابعين ، نذكر منهم على سبيل المثال الدكتور غازي القصيبي والشاعر سعد الحميدين . كيف ستتعامل مع هذه التركة ؟

الهالة التي ينالها الشعراء في بداياتهم لدينا ، هل تعتقد أنها تنفيس لإحساسنا بأننا لم نقدم من الأسماء الإبداعية المتميزة ما يكفي ؟

هناك اتهام دارج للشاعر السعودي خصوصاً بشأن عدم جديته في طرح منجزه الشعري الخاص به . حيث يميل للتفاوت حينا وللغياب أحياناً . إلى أي فريق تنحاز بشأن هذا الاتهام ؟

يلاحظ عليك بعض متابعيك ارتباط قوي بالتعبير الواقعي . هل لهذا أثر على عمق المخيلة لديك ، وعلى أدوات التعبير الشعري بالتالي ؟


-1-

أردت أن يشي العنوان بمحتوى الديوان وطابعه الذاتي الوجداني المتشح بالحزن في جزء ٍ كبير منه.

قصائدي الأخرى التي ليست ذاتية الطابع، سيكون لها ديوان آخر ربما يصدر بعد سنتين ولم أنشر تلك القصائد لأني بعدم نشرها أظن أنني أحفز نفسي على إتمام مشروعي المقبل الذي أرى أنه يجب أن يظهر متكاملاً في ديوان دفعةً واحدة!

 

 

-2-

شهادة الدكتور غازي القصيبي عن شعري هي أجمل قصيدةٍ في الديوان!

كانت أكبر برهان ٍ لي على أن الأحلام تصدق وتتحقق، فطالما حلمت أن يصدر ديواني مُذ َهَّباً بحروفٍ من ثناء الدكتور غازي وعندما أرسلت له مخطوطة الديوان، لم يبخل عليّ بكريم تشجيعه.

قرأت الدكتور غازي القصيبي شاعراً وناثرا ُ وروائياً وتأثرت بشعره وقصائده القديمة في صباي ، ولي قصائد مبكرة غير منشورة في الديوان، فيها ظلالٌ شاسعة من أسلوبه الشعري. لذلك، كان لثناءه أثرٌ إيجابيٌ كبيرٌ في نفسي.

شكرت الدكتور غازي بفاكس ذكرت فيه أن هناك الكثير ممن لا يملكون ربع موهبته ولا عطاءه للوطن وللناس.

 

-3-

بداية ً، لا أعتقد أنني أتناص مع نزار أسلوبياً أو فكرياً، بل أنني لا أتفق مع نزار فكرياً في نظرته الجسدية للمرأة أو في نرجسيته أو عدم احترامه للمقدسات، مع إيماني بأنه أحد أعظم شعراء العربية جمالياً. أسلوبياً، لشعر نزار كثير من المميزات المختلفة عن شعري مثل تعداد الصفات المتتالي عند وصف المعرفة الذي تأثر فيه بالشاعر الفرنسي جان جاك بريفير، ومثل مفردات نزار المميزة التي لا تجدها في قصائدي.

والدكتور القصيبي في شهادته عن الديوان أشار إلى ذلك عندما كتب:

" وأسارع فأقول أنني لا أقصد أنه يسرق معجم نزار، أو شيئاً من كحل سمراواته، أو قنينةً من عطر شقراواته. أعني أن هذا شاعر استطاع كما استطاع نزار قبله، أن يحول مفردات الحياة اليومية، المبتذلة إن شئتم، إلى شعر جميل"

وهذا يعني أنني لا أستنسخ معجم نزار الذي له دلائله الأسلوبية والفكرية الخاصة به وليس بشعري.

أعتقد أن ما عناه الدكتور القصيبي هو أن شعري يحمل كثيراً من الصور اليومية واللغة البسيطة، وأنا هنا ألتقي في هذه النقطة مع نزار وأمل دنقل وأبي نواس وأبي العتاهية والعباس بن الأحنف وحتى امريء القيس الذي شبه بعر ناقته بحب الفلفل ِ. ولكن نزار هو أول من يتبادر للذهن عندما تقرأ صوراً يومية ولغةً بسيطة لاتباع نزار لهذا الأسلوب ولأن نزار معروفٌ لدى الجميع.

أمّا من ناحية المجهر، فلا أظن أن ديواناً شعرياً سيخطف الأبصار – فما بالك بالمجاهر- من ماليء الدنيا وشاغل الناس: برنامج ستار أكاديمي وأشقاءه!

 

-4-

بقدر ما أسعدني ثناء الدكتور القصيبي، أحس أنني حُمّلتُ مسؤولية اثبات أنني جديرٌ بهذا الثناء. الآن في يدي أن أستمر في أن أكون "نزار قباني الجديد" كما قال الدكتور غازي أو أن أنشغل في هموم الحياة اليومية عن تطوير شعري والعمل عليه فأصبح طيَّ النسيان، كما حدث لكثير من الشعراء وربما يحصل لي إن لم أعد اختراع نفسي ومقاومة الكسل العذب اللذيذ!

لا زلت أرى أنني في البداية وأن علي أن أكون عند حسن ظن من شجعوني في مراحل زمنية مختلفة بدءاً من الدكتور ابراهيم العواجي ثم الأستاذ سعد الحميدين الذي أتاح لقصائدي أن تحلق في سماء ملحق جريدة الرياض الثقافي في وقت لم يكن يعرفني فيه الكثير و بعد أن رفضت بعض الصحف نشر قصائدي التي يثنى عليها الآن الدكتور غازي القصيبي!

 

-5-

كنت سأسعد كثيراً لو أن الأمور كانت حقاً كما ذكرت. من خلال تجربتي الأدبية المتواضعة، أؤكد لك أن الأمور على عكس ذلك تماماً. أستطيع أن أكتب لك جرائد كاملة بحبر مُرٍ عن بيئتنا التي تحاول قتل المبدع. من سوء الظن والارتياب في استقامتك وسلامة فكرك لأنك كتبت قصيدة حب، ومن آلاف الريالات التي عليك أن تدفعها لدار نشر قد تتكرم بقبول نشر انتاجك ولا تتكرم بإعطائك قرشاً من الأرباح إلى الصحفي الذي يرمي قصيدتك في سلة المهملات لأنك لا تملك صوتاً أنثوياً ناعماً!

لسوء حظي أنني لم أحظَ بهذه الهالة التي تتحدث عنها، فلم يُكتب عن شعري أي مقال أو دراسة، ولم أحظ من قبل إلا بحوارين مرة من قبل جريدة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والأخرى من مجلة الجيل!

إن أكبر هالة ينالها أي مبدعٍ لدينا، لا تقارن بالهالة التي ينالها لاعبو الكرة والمطربون والمطربات، وأنا أتفهم السبب، لأن وسائل الإعلام تتبع قانون العرض والطلب، والأدب لسوء الحظ ليس أكثر السلع مبيعاً في العالم العربي.

أما إن كنت تقصد أن هناك قصائد رديئة تنشر لشعراء متواضعي الموهبة، فالصفحات الثقافية تحتاج أن تملأ مساحتها بمادة أدبية، وإن لم تجد أدباً راقي المستوى، فإن الجود من الموجود.

 

-6-

أتفق معك تماماً في هذه الرؤية.

معظم الشعراء السعوديين غير جادين في مشروعهم. ولكن هل ينطبق ذلك على الشعراء فقط؟ أرى أننا عموماً كشعب، غير جاد ولا نضع الإنتاجية والانضباطية والفعالية في قمة سلَّم اهتمامتنا. ينطبق ذلك على الأكاديمي ولاعب الكرة والموظف الحكومي. قديماً كان السبب في رأيي انخفاض مستوى التعليم، ثم جاءت الطفرة لتكافيء الخاملين. أتمنى أن يكون الجيل الجديد الذي يحفر الصخر ليشق طريقه اليوم قادراً على أن يأتي بما لم يأتِ به الأوائلُ.

 

-7-

أرى أن لارتباطي بالتعبير الواقعي أثراً إيجابياً على عمق المخيلة لدي ، وعلى أدوات تعبيري الشعري. السبب في رأيي أن أمام الشاعر قليل من الخيارات في استقاء منابع لغته، منها أنه إما أن يجنح للابتعاد عن الواقع ويتقاطع لغوياً مع إرث من المفردات المستهلكة منذ امريء القيس إلى عصرنا الحاضر عن الصحراء والغزال والنجوم، وإما أن يختار لغةً مستمدةً من واقع الحياة اليومية الحديثة، ويضعها في إطار جميل. لا أعني أن الجنوح لمفردات الحياة اليومية واللغة السهلة هي الطريقة الوحيدة لنحت لغة جديدة، ولكنني أعني أنها إحدى الطرق الناجحة، بالإضافة إلى أنها أقرب للمتلقي.