إلى أمي
يذبحني صوتك قادماً مع المساءْ
يسلب مني عيني بقايا النور
يمنع السكون والاغفاء
وأنت يابعيدة المزار
مثل سجينةٍ عمياء
وقفت تصرخين في الظلام :
أعددت يا أبنائي الطعام
ولم تعودوا ، عادت الطيور للأوكار
وارتحل النهار
خائفة أنا .. وحيدة في الدار
الشوق والتذكار
وصورة على الجدار
تبكي ..
تهشمت على صخور الانتظار
وتركعين يا أُماه
للمرة المليون تركعين في صلاة
تبتهلين للعيون الغائبة
للبسمات الغاربة
للتائهين احترقت أقدامهم على شواطئ الحياة
وتسألين الله
( يافاطر القلوب
ياخالق الجبال والبحار والسهوب
ياخالق الشعوب
أعد إليَّ أبنائي
أعد قوافل المشردين
التائهين في الدروب )
ومثل خنجرٍ يغوص في الدماء
يسرسب الصوت الحزين في الأعماق
يلقي سحابة من الدموع والبكاء
على النجوم والآفاق
تستيقظ الثلوج في الظلام والشتاء
وتنكفي غرقى بدمعها أشرعة المنام
فخففي يا أُم من نواحك الليلي من مواجيد المساء
تكاد تنطفي حزناً مشاعل النجوم
تضيء كالجحيم شعلة الهموم
يذبحني صوتك قادماً مساء
يسحقني
ينثرني هباء
حين تلوحين على البعد كئيبة مهملة الشعور
تنهش وجهك الأشواك والصخور
حين تلوح الدور
كئيبة الجدران تشرب الدموع والبكاء
لابد من صنعاء
( لابد من صنعا وإن طال السفر )
لابد منها حبنا أشواقها
تدوي حوالينا : إلى أين المفر ؟
إنا حملنا حزنها وجراحها
تحت الجفون فأورقت وزكى الثمر
وبكل مقهى قد شربنا دمعها
الله ما أحلى الدموع وما أمر
وعلى " المواويل " الحزينة كم بكت
اعماقنا وتمزقت فوق الوتر
ولكم رقصنا في ليالي بؤسنا
رقص الطيور تخلعت عنها الشجر
هي لحن غربتنا ولون حديثنا
وصلاتنا عبر المناجم في السهر
مهما ترامى الليل فوق جبالها
وطغى واقعى في شوارعها الخطر
وتسمر القيد القديم بساقها
جرحاً بوجه الشمس في عين القمر
سيمزق الأعصار ظلمة يومها
ويلفها بحنانه صبح أغر
هو ذا يُلملمنا من الغابات من
ليل المواني من محطات البشر
ليعيدنا لك يامدينتنا ، وفي
أفواهنا قُبل وفي الأيدي زهر
إنا كسرنا وجه غربتنا وما
أبقت ليالي النفي من زيف الصور
وتهشمت سفن الرحيل وأسلمت
أنفاسها في حضن شاطئنا الأبر
صنعا وإن أغفت على أحزانها
حيناً وطال بها التبلد والخدر
سيثور في وجه الظلام صباحها
حتماً ويغسل جدبها يوماً مطر
قبل أن تعربد الامواجْ
وقبل أن يغيب وجه الأرض
قلت الداء و العلاج
لم تحفلوا
لم تسمعوا
كنتم هناك في الغيوم في الابراج
أرجلكم ممدودة – كانت – إلى السحاب
رؤوسكم مغروزة في الوحل في التراب
قربت مشفقاً سفينتي
أنفقت عمري أجمع الاعواد والاخشاب
قطعت وجه الليل والنهار
أقر في " الكتاب "
أشد مسماراً إلى مسمار
لكن صوتي ضاع في الرياح
سفينتي تاهت بها الامواج
فأبحرت خالية إلا من الاحزان والملاح
بكيت
شدني العذاب والألم
حين رأيتكم رأيت السفح والقمم
في قبضة الإعصار
أحزنني أن اشهد الاطفال
أن أشهد النساء
غارقة تضرع في ابتهال
تلعنكم
تبصق في وجوهكم ياأيها الرجال
ياأيها الانذال
أحزنني أن تختفي البيوت والاشجار
أن تختفي الآثار
أن تغرق القباب
أن يغرق الشيوخ والشباب
أن تغمر المياه الزرع والمدائن
أن تغمر المآذن
أحزنني أن ألمح البطون فوق الماءْ
مبقورةً شوهاء
أحزنني عميت لم أعد أرى
شيئاً من الناس من القرى
تلاشت الالوان والاسماء
وأطبق الدجى
وغام وجه الارض والسماء
قلت لكم والمد لم يزل بعيداً
والبحر لم يزل بعيداً
أن تفتحوا عيونكم على الخطر
أن تجمعوا السادة والعبيدا
أن تصنعوا من شوقكم ، من حبكم نشيدا
لتصعدوا به إلى القمر
لكنكم لم تسمعوا ، تعالت الضحكات
أقعى الضمير في دياركم ومات
فكان هذا الهول والاحزان
كانت الهزات
لاسفن البحر ولا الفضاء
تنقذكم من قبضة القضاء
فقد طغى الطوفان
وكان ياما كان
حزين أنا . والنهارْ
وشباك نافذتي .. والجدارْ
وصورتها..يوشك الحزن يذبح قلب الإطار
كتابي حزين .. وهذا القلم
وعصفورة خلف بابي تلهث في ألم
وأشجار حارتنا والكلاب حزينة
ووجه المدينة
وفي الأفق غيمة حزن ترش الفضاء
تعد مشانقها للنجوم
تنقر وجه الضياء
نهاراً – يقولون – لكنه كالمساء
في عامنا رأيته يضحك مرتين
حين هجرت الدار مرةً
ومرة وأنت مغمض العينين
إن أبعدتنا الريح عن يمنٍ
فلنا على أجفانها يمنُ