جريدة الرياض الاثنين 01 رمضان 1421 اموافق 27 نوفمبر 2000
طارق بن عبدالعزيز أبو عبيد
عندما يموت أحد المبدعين يندبه الكثير من محبيه ويحزنون ويـحزنون غيرهم لأنهم يرون أن موته يعتبر خسارة كبرى للفن او الشعر او الادب وقد ينطبق هذا على بعض المبدعين الذين يتوفون في ذروة عطائهم ولكنه لا ينطبق على الجميع ولا أدري كيف يعتبر موت اي مبدع خسارة للابداع اذا لم يقدم في سنينه الاخيرة انتاجا متميزا واذا كانت اعماله القديمة في متناول الايدي سواء على شكل كتب او اشرطة. قد يكون الأمر صحيحا بالنسبة لشعراء ابدعوا وهم كبار وواصلوا تميزهم مع مرور الزمن , ولعل لدينا شاهدا على ذلك من التراث وهو الشاعر زهير ابن ابي سلمى وبيته المشهور: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولا لا ابا لك يسأم وهذا بيت من قصيدته التي عدتها العرب من روائع الشعر ـ المعلقات ـ وقد كتبها في عمر متأخر. وكذلك الأمر بالنسبة لمحمود درويش الذي يعتبر كل ديوان له اضافة جديدة لابداعاته السابقة ولعل أحد اسباب ذلك ـ اضافة الى تجدده الثقافي والمعرفي ـ ان ابداعه يحمل صدقا كبيرا مع النفس ويمثل حياته مرحلة مرحلة من مرحلة القضية والنضال ثم انتقاله بعد عملية السلام الى قضية أخرى وهي الحب في "سرير الغريبة" ثم بعد مرضه انتقل الى قضية انسانية شائكة وهي الحياة والموت في "الجدارية" كل هذا بتمكن فني وشاعري عميق. ومثال آخر على ذلك هو الشاعر الامريكي ستانلي كونتز الذي اختير حديثا شاعر الأمة الامريكية وهو في الخامسة والتسعين.. فرغم انه نشر مجموعته الأولى وهو في الخامسة والعشرين الا انه بقي مغمورا حتى صدور مجموعته الشعرية وهو في الخمسين من عمره وقد كتب افضل قصائده منذ ان كان في الخامسة والستين الى الآن. وغيرهم كثير مثل الشاعر الايرلندي الرائع وليم بتلر ييتس والشاعر البريطاني توماس هاردي الذي هجر الرواية واتجه الى الشعر ـ والذي واجه معارضة لانتقاده تقاليد المجتمع البريطاني المنافقة في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى هل يعتبر موت المبدعين الذين يتوفون في ذروة عطائهم خسارة مثل أمل دنقل والسياب اللذين توفيا في سن تقارب الاربعين او ابي القاسم الشابي وطرفة بن العبد اللذين توفيا وهما في الخامسة أو السادسة والعشرين من اعمارهم؟ كيف يتسنى لنا الحكم بذلك في حين اننا لا نستطيع الجزم باستمرار عطائهم على نفس المستوى, والدليل على ذلك أن هناك العديد من المبدعين عاشوا طويلا ولكنهم لم يضيفوا لابداعهم شيئا فماذا قدمت فيروز في السنوات العشر الماضية مقارنة بتاريخها الحافل؟ وطلال مداح ـ رحمه الله ـ منذ حوالي خمسة عشر عاما لم يقدم الانتاج الذي جعله سفيرا للأغنية السعودية فيما مضى لا من حيث اختيار الكلمات او الاداء. اما نزار قباني فان عددا كبيرا من دواوينه الأخيرة كان تكرارا لما كتب في الماضي بل في رأيي ان دواوينه الأخيرة اضرت باعماله القديمة الجميلة ونازك الملائكة وهي أحد رواد الشعرالحديث تعاني من المرض وتقدم السن اللذين لم يخدماها ابداعيا ولعل المثال الاوضح على عدم حتمية استمرار الابداع يظهر في الشاعر الفرنسي رامبو الذي أحدث ثورة في الشعر الفرنسي والذي يعتبره البعض اعظم شعراء فرنسا حيث حقق رامبو مجده الشعري في قصائده التي كتبها في ثلاث سنوات فقط من سن السادسة عشرة الى التاسعة عشرة وبعد ذلك لم يكتب شيئا حتى وفاته! هذا شيء طبيعي فالمبدع انسان يعتريه التقلب والمرض وربما فتور الاهتمام بالابداع وليس آلة تنتج لنا قصائد او غيرها من الاعمال الابداعية. انني لا أرى منطقية في الجزم بأن وفاة مبدع ما تعتبر خسارة كبرى للفن أو الشعر او الادب وأظن باننا لا نبكي المبدع عندما يموت بل نبكي مشاعرنا التي أثارها ابداعه في يوم ما ونبكي ذكرياتنا وأعمارنا التي مضت كما مضى هذا المبدع! |