جريدة الرياض الاثنين 15 رمضان 1421 العدد الموافق 11 ديسمبر 2000
طارق بن عبدالعزيز أبو عبيد
اذا اردت ان تثبت صحة رأيك وتسفه رأيا مخالفا فالمسألة اسهل مما تصور فكل ما عليك عمله هو اتباع هذه الوصفة العربية الخاصة التي تضمن لك تفوق وجهة نظرك بغض النظر عن صحة ما تقول او ما ترى. هذه الوصفة تقضي بان تسعى اولا الى التشكيك في توجهات الشخص صاحب الفكرة المضادة وفي نواياه وفي افكاره مما سيعني لدى كثير من المتلقين ان الفكرة النابعة عن هذا الشخص هي بالتالي فكرة خاطئة. وللاستعانة على ذلك عليك باستخدام المعجم الشائع المستخدم في هذه الحالات ـ استعارة الفاظ تلصقها بخصمك مثل عميل، زنديق، متآمر، علماني ثم تتوجه إلى من تريد اقناعهم أوتسألهم.. هل تتوقعون من شخص يحمل احدى هذه الصفات ان يقول شيئا صحيحا ؟ لكن هل تحمل هذه الوصفة الشائعة شيئا من المنطقية والتفكير العلمي؟ الجوانب العظيمة في الاسلام هو انه دين منهجي علمي واقعي يختلف عن كثير من الديانات التي تنفي الآخرين أو لا تعتبرهم مماثلين في الانسانية ـ كاليهودية مثلا: حيث يدعو الاسلام في النظر الى الافكار بتجرد ودون تعصب. يقول تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) وقول الرسول (ص) (الحكمة ضالة المؤمن انى وجدها فهو أولى بها) وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (اعرف الحق تعرف اهله) فالحقيقة لا تنسب الى أشخاص بل الأشخاص هم الذين ينسبون الى الحق او الباطل.. واي ممارس لما يسمى بعلم التفكير الناقد ( Critical thinking ) يعلم اهمية التفريق بين مصدر المعلومة ومحتواها. وانتشار هذا المنهج في التعامل مع الاختلاف اوجد ويوجد كثيرا من العلل المعرفية والامراض الاجتماعية ومنها: اولا غياب الحقيقة لأن الاهتمام يتحول من البحث عن المعرفة الى جعل الموضوع المطروح للنقاش مسألة شخصية يهم فيها اثبات صحة او خطأ مرجعية شخص ما بدلا من رأيه والخاسر الحقيقي في النهاية هو الذي يخوض هذه النقاشات لينتهي بنصر او هزيمة في هذه المعركة. ثانيا: انتشار نفي افكار الآخرين وتكفيرهم لأن هذه اللعبة تجعلنا مصيبين في نهاية الامر وتضمن لنا تفوقنا واستعلاءنا على الآخرين. ثالثا: الهروب من مواجهة الذات ومراجعة النفس وهي السبيل الوحيد الى تطور المجتمعات ونموها. (إن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). فحين نشكك في نوايا المخالفين لا يلزمنا ان نسمع رأيهم ونغير وفقا لما يرون فالكثير يفضل الراحة التي يوفرها له ما يسميه علماء النفس بالانكار ( Denial ) على التعب الناتج عن مواجهة الأخطاء وتغييرها رغم ان هذه الراحة مؤقتة لأن الامور المبنية عليها تكون قد شيدت على أساس غير منطقي وهش ينهار مخلفا كثيرا من الدمار ولكن بعد فوات الأوان. رابعا: غياب الآراء المخالفة التي قد تحمل قدرا من الصحة وغياب الابداع خوفا من التفسيرات الخاطئة لإبداعهم او آرائهم ممايحدو بهم الى التزام النمط السائد الذي قد لا يكون صحيحا والى انتاج آراء واعمال خالية من المضمون أو ذات مضمون اجوف. خامسا: وكنتيجة عكسية لشيوع محاكمة النوايا كنمط اجتماعي وثقافي ينتشر النفاق والتبعية وغياب النقد وتمجيد اشخاص وتحويلهم الى اصنام ثقافية وفكرية واجتماعية لأنهم ذوو مرجعية واتجاه مرضي عنه ومستحسن.. فمن يستطيع ان ينقد قصيدة للمتنبي اونزار او ينقد فكرهما دون ان يتهم بالتطرف، ولعل ذلك يبدو جليا في بعض ردود الافعال على كتاب د. عبدالله الغذامي (النقد الثقافي) الذي انتقدهما فيه ولم تختلف ردود الافعال هذه مع اراء د. الغذامي اختلافا من حيث المنطق والاستنتاج بل انطلقت من مقولات مثل ان المتنبي موجود قبل مجئ د. الغذامي وسيظل بعده ولكنهم لم يتساءلوا ان كان كل ما يقول المتنبي او نزار صحيحا . سادسا: يستمرئ المبدع هذا التصنيم الثقافي فيلحق الضرر بابداعه اكثر مما يلحق بغيره لانه يقدم شيئا رائعا في يوم من الايام ثم يقتات على اطلال هذه الامجاد فيصفق هو والآخرون لجميع ما يكتب بعد ذلك طيلة حياته.. لم احاول ان احصي جميع اضرارمحاكمة النوايا في هذا المقال بل حاولت ان اعدد بعضها لأن حصرها يحتاج الى جهود علماء نفس واجتماع ولكني اردت ان اقول ان محاكمة الفكرة والرأي بتجرد بدلا من محاكمة نوايا الاشخاص ومعتقداتهم هو دليل تطور فكر وثقافة المجتمعات وتجددها وقدرتها على مواكبة العصر وان ذلك هو السبيل الوحيد لها للخروج من سراديب الجهل والتخلف. |