جريدة الرياض 2-3-2000

المؤرخ د. نقولا زيادة:
مؤرخونا يكتبون عن اكتشافات العرب وهم لا يفهمونها

حوار ـ طارق عبدالعزيز أبوعبيد

المؤرخ الدكتور نقولا زيادة جمع التاريخ والفلسفة والجغرافيا وكانت كتبه شاملة وذات أسلوب سهل وبسيط.

ورغم أنه في الثانية والتسعين إلا أنه لا زال يحتفظ بروح المرح والدعابة إلى جانب الجدية والعمل الدؤوب.. فقد شرع مؤخرا في تأليف أحد الكتب وترجم كتابا من الانجليزية وحديثه مليء بالعلم والمعرفة.. إنه ببساطة, أصغر كثيرا من عمره مما جعلني أبحث عن تعريف آخر للشباب والشيخوخة!

[ بما أنكم من الأقلام الكبيرة وأصحاب الفكر المستنير والمتابع لما يطرأ ويستجد على الساحة الفكرية, حبذا لو تحدثتم بشيء من الايجاز عن حال الثقافة بالأمس واليوم ولمصلحة من سترجح الكفة؟

ـ في السابق كان للثقافة حرية أكبر من الوقت الحاضر, فعدا السلطة السياسية, أصبح الآن للمجتمع سلطة على الكاتب لم تكن موجودة في السابق. فعندما نشر طه حسين كتابه (في الشعر الجاهلي) لم يطالب أحد بمحاكمته أو التفريق بينه وبين زوجته وفي كثير من الدول العربية, لا ينشر كتاب إلا بعد أن توافق على نشره هيئة من الهيئات الحكومية. وعندما وضع علي عبدالرازق كتابه (الإسلام وأصول الحكم), أحدث الكتابة ضجة كبيرة لا لأن أفكار الكتاب لم تقبل بل لأن الملك فؤاد كان يطمع بالخلافة وعندما يأتي أحد رجال الأزهر ويقول: الخلافة ليست أصلا من أصول الحكم فإنه يقول لفؤاد اصمت! ولهذا حدثت ضجة إثر صدور الكتاب وعوقب الشيخ علي عبدالرازق بأن أخرج من جماعة العلماء لعشر سنوات ثم أعيد بعد ذلك. لكن على العموم كانت هناك حرية فكرية بينما الآن هناك قيود فكرية كثيرة. وهذه مشكلة كبيرة ليس لها سوى حل واحد هو أن تتنازل الحكومات عن هذا التقييد. ويبدو أن الحكومات تخشى من أهل الفكر والنتيجة ان أكثر الكتب التي تنشر يدور في دوائر صغيرة محدودة. فالرواية والقصة التي أصبح لها قراء في العالم العربي لا زال بعضها ممنوعا. والنقد الأدبي عندنا أصبح المنتمون إليه أصحاب صناعة وليسوا أصحاب فكر. هناك بعض النقاد ويبدأون مقالاتهم بذكر أسماء غربية لاظهار المعرفة والثقافة. أذكر أنه في مؤتمر في جامعة مؤتة الأردنية دـعيت إليه, طلب مني الاطلاع على 14 سيرة ذاتية لكتاب أردنيين, ولأنني عاصرت كثيرا مما كتبوا عنه, فقد اكتشفت أن جميعهم كاذبون ما عدا واحد! فتركتها وكنت على وشك أن أعتذر ولكنني لاحظت أن على طاولتي رسالة فدوى طوقان عن تجربتها الشعرية فقلت سأكتب عنها, لا لنقدها أدبيا ولكن لتوضيح بعض ما قالته عن نابلس وحياة العائلة لأنني أعرفها في الوقت الذي كانت فيه فدوى طوقان طفلة وكنت أعرفها معرفة جيدة وأعرف اخوتها الأربعة وأبناء عمها وبعدما توفي أخوها الشاعر ابراهيم طوقان ذهبت إلى نابلس وطلبت منها أن تكتب كتابا عن أخيها ابراهيم فكتبت كتابا صغيرا اسمه (أخي ابراهيم) وعندما رجعت إلى المؤتمر وجدت خمسة أشخاص يتحدثون عن كتاب فدوى عن سيرتها الشعرية بعدها قام ناقد قال: بحسب رأي الناقد ـ وذكر اسما غربيا ـ وعندما انتهى انفردت به جانبا وسألته إن كان قرأ كتب هذا الناقد فأجاب بالنفي ولكنه قال انه قرأ مقالا عن كتاب لهذا الناقد الفرنسي الجديد. فأجبته بأن هذا لا يجوز فإنك تغش أصدقاءك والناس. وأنا أتمنى عندما تكلفون أحدا بالكتابة أن يكون ممن له علاقة بالموضوع الذي يتحدث عنه.

[ في هذا الوقت الذي شهد ابتعاد الناس عن الثقافة والمصادر العلمية, ماذا تقترحون لتوصيل الثقافة والمعرفة إلى الناس؟

ـ لي تجربة تعود إلى العشرينات والثلاثينات, عندما نشرت مطبعة جامعة أوكسفورد سلسلة من الكتب أسمتها مكتبة البيت الجامعية.. كان يكلف واحد من أهم الاختصاصيين لكتابة كتاب عن موضوع تخصصه.. وأنا شخصيا كنت محررا لسلسلة بالانجليزية صدرت منها عشرة مجلدات اسمها (خلفية التاريخ العربي) وكلفنا لكتابتها جماعة كبارا ولسوء الحظ أن العرب الذين كلفناهم لم يكتبوا وكل الأجانب التزموا بالكتابة فقد التزم هندي في الجامعة الأمريكية بالكتابة, بينما لم يلتزم أحد الكتاب الايرانيين بالكتابة, وأحدهم ألغينا الاتفاقية معه بعد ثماني سنوات.. وفي ظل هذه القيود المفروضة, ما هي الأشياء التي يمكن أن نقدمها إلى الطالب والقارىء العادي؟ يجب أن تتناول السلسلة نواحي الفكر بصورة مبسطة, فمثلا عن الجينات, يمكننا أن نبحث عن عالم عربي متميز يستطيع أن يفسر معنى الجينات في 100 صفحة وهذا ينطبق على أشياء علمية أخرى.. يمكننا كتابة كتاب صغير الحجم بسيط وواضح اللغة عن الكون والاكتشافات الجديدة فيه.. فالمقالة التي تكتب لا يقرأها كل الناس ولكن الكتاب الصغير يصل بصورة أكبر. من ناحية أخرى أود أن أرى سلسلة من الكتب تتناول المدن العربية والإسلامية كل كتاب لا يتجاوز 100 صفحة وأن لا نكتفي بالقاهرة ودمشق فهناك مدن كان لها أثر كبير مثل بخارى ومرو ونيسابور. ونريد أيضا من متخصصين أن يكتبوا كتبا من هذا النوع عن أهل الفكر العربي الإسلامي. ليس عن طريق التهويش, نحن عملنا وبلغنا. يمكن أيضا كتابة كتاب من هذا النوع عن المراصد في الإسلام لأن حتى الذين درسوا التاريخ الإسلامي لا يعرفون الكثير عنها. وأيضا عن نواحي الجغرافيا والمدن العربية عن طريق الرحلات لأن الشباب يقبل برغبة كبيرة على قراءة هذه الكتب وأنا متأكد أن الشباب في سوريا يتمنى أن يقرأ عن مدن المملكة الواسعة مثل جدة والرياض لكي نتعرف على المدن العربية, فالشخص العربي يسمع عن الأهرام ولكنه لا يعرف طرق القاهرة وأسواقها أو شيئا عن عمر بن العاص أو تصو ـر مدينة القاهرة. وأتمنى من مؤسسة اليمامة الصحفية أن تقوم بهذا الدور وأنا أطلب أن تكون الكتب مكتوبة بلغة ميسرة وواضحة وهذه طريقتي أنا شخصيا في الكتابة لأنني أحرص على أن تصل كتبي إلى القارىء العادي لأن القارىء المتخصص يعرف كيف يصل إلى المعلومة.

[ لكم كتب عديدة حول الرحلات تتضمن الجغرافيا والتاريخ والثقافة في الأقطار العربية المختلفة تتمثل في كتب (شاميات) و(افريقيات) و(لبنانيات) و(عربيات) و(مشرقيات). إلى أي مدى وصلتم في هذا المشروع؟ نرجو القاء بانوراما صغيرة على محتويات هذه الكتب.

ـ يتناول كتاب (شاميات) موضوعات تتعلق ببلاد الشام وينقسم إلى قسمين: بحوث تتعلق ببلاد الشام القديمة حيث يوجد مثلا مقال طويل في هذا الكتاب عن البداوة والحضارة بين البتراء وبصرى.. والقسم الثاني يتناول التطور الفكري في بلاد الشام في العصور الحديثة.. أما (افريقيات) فيشمل رحلاتي المتعددة في الشمال الافريقي ثم دراسات للمدن الافريقية والدول الإسلامية التي نشأت وهذا هو مجال اهتمامي.

(لبنانيات) هو فصول مختلفة لمن أرخ للبنان لرحالين زاروا لبنان ورحلاتي أنا في لبنان.. و(عربيات) تناول شؤونا تتعلق بتاريخ العرب, مقالات مختلفة. (مشرقيات) بشكل خاص هو عن صلات هذه البلاد بالبلاد الشرقية التي تحدثنا عنها في الجنادرية.

وكان يمكن أن أدعى للحديث عن هذا الموضوع بدون استعداد لأن هذا هو مجالي.

أما كتابي القادم (متوسطيات) فيتناول حوض البحر المتوسط من حيث العلاقات التجارية فيه. وفيه قسم طويل عن التجارة الإسلامية من القرن الثاني إلى القرن السادس. ويمكن أن تلخص بعض فصول هذه الكتب وتوضع في الكتب الصغيرة التي تحدثنا عنها فيمكن مثلا عند الحديث عن الصين أن أوضح انتقال التجار العرب من حضرموت إلى الصين بطريق معين مع خارطة توضح ذلك.

[ تتناقل الوكالات العالمية مقالات بتوقيع الأستاذ (نقولا زيادة) تتحدث عن بعض الاعلام العرب مثل طه حسين وإيليا أبي ماضي وتبث الوكالات هذه المقالات إلى الدول العربية وينشر بعضها في جرائد ومجلات وهذه المقالات التي تعتبر ثروة لأنها رغم قصرها تكون غنية بالمعلومات.. هل فكرت في جمع هذه المقالات في كتاب.

ـ كنت اكتب لوكالة (الأسوشيتدبرس) كانت تصدر في قبرص ثم في بيروت. وأنا الآن أبحث عن ناشر يجمع هذه المقالات في كتاب. وهذه المقالات هي ملك لكم ومجرد اشتراككم في الوكالة يخولكم بنشر هذه المقالات في الجريدة أو جمعها في كتاب دون الرجوع إلى كاتب هذه المقالات.

[ يقال اليوم بأن الرواية أصبحت ديوان العرب وأن الشعر الذي كان ديوان العرب أصبح على الهامش ألا ترى أن في هذه المقولة اجحافا في حق الشعر؟

ـ أنا أقرأ الشعر للتلذذ والاستفادة ومنذ مدة لم أقرأ شعرا لأنني لم أعد أشعر بتلذذ أو استفادة فأدونيس مثلا يتعبني لكي أفهمه.

[ إذن إما أن أدونيس لم يستطع أن يصل إليك أو أنك لم تستطع أن تصل إليه, من في رأيك الذي يتحمل المسؤولية؟

ـ حملني أنا المسؤولية! (يقولها ضاحكا ).

الشعر موجود دائما يعبر عن شعور وعاطفة ولكن يبدو أن الناس عجزوا أن يعب روا عن شعورهم فاتجهوا إلى قراءة الرواية. وأنا شخصيا خلال السنوات السبع الماضية لم أقرأ إلا مجموعة واحدة من القصص القصيرة لكن ما قرأت رواية كاملة والسبب أن لي عددا معينا من الساعات أستطيع أن استعمل عيني فيها لأنه عندما يصل شخص إلى 92 سنة لا يستطيع أن يقرأ ويكتب لمدة 12 ساعة فأنا أفضل أن أصرف هذا الوقت في الأشياء التي أريد أن أكتبها وبدأت الآن في وضع كتاب عن الشمال الافريقي من الفتح العربي إلى الاحتلال العثماني وأنهيت الفصل الأول منه ولا أدري متى انتهي منه لأن الوقت لا يساعدني.

كذلك أقوم الآن بترجمة كتاب من الانجليزية عن بيزنطية والفتوح العربية المبكرة (أول 30 سنة فقط). مما لا يجعلني أقرأ رواية.

أما بالنسبة لسؤالك فأرجو أن لا تحل الرواية محل الشعر وأن يظل لنا شعر.

[ لو قدر لأحد الكتاب أن يفعل مثل ما فعل جرجي زيدان ـ كتابة الرواية التاريخية ـ أي أن يبدأ مثل هذا المشروع من جديد, هل سيكتب لمشروعه النجاح والانتشار مثل ما حصل لروايات جرجي زيدان؟

ـ هذا بشرط أن يكون بصيغة جديدة وطريقة جديدة, فالذي عمله جرجي زيدان كان مدهشا في وقته وقد شجع الناس على قراءة التاريخ العربي الإسلامي ولكن تفكير جرجي زيدان الروائي في ذلك الوقت ما عاد ينفع اليوم فللرواية اليوم فن آخر. ولكن الشيء المهم أن لا يعقد الروائيون هذا التاريخ!

[ نلاحظ اليوم قلة المهتمين بالتاريخ وانه أصبح محصورا في الأكاديميات.. وتكاد تخلو وسائل الإعلام منهم فهل لصعوبة التاريخ دور في ذلك؟

ـ هناك ثلاثة أسباب: الأول ان الذين يكتبون في التاريخ العربي الإسلامي عدد كبير منهم من المدرسين ومشكلة الأساتذة أنهم يحضرون ما يسمى (مساقا ) للسنة, وينشر في السنة الثانية, وهذا ليس تاريخا . وأذكر أحد الأصدقاء الأساتذة في الجامعة اللبنانية, أهداني يوما ما كتابا عن العرب في الأندلس. فقلت له ان رسالتك في الدكتوراه التي كانت بإشرافي عن العصور الإسلامية المبكرة في المشرق فما الذي أوصلك إلى الأندلس؟ فأخبرني أنه كتب الكتاب لأنه طلب منه تدريس تاريخ الأندلس لمدة سنة!. والكتب المدرسية من هذا النوع يقرأها الطالب للامتحان ولكنها لا ترغ ب الطالب الآخر. ثانيا أن هؤلاء الذين يكتبون لا يفهمون التاريخ الإسلامي إلا أنه معارك والذي يكتب ولا يعرف إلا الفترة التي يدرسها, لا يستطيع أن يكتب كتابة مترابطة. فحتى يمكن للشخص أن يكتب عن فترة من فترات التاريخ الإسلامي فعليه أن يعرف التاريخ الإسلامي والتاريخ غير الإسلامي أىضا . لأن التاريخ والحضارة العربية الإسلامية لم تنشآ من فراغ. صحيح أنه كان هناك وحي للرسول وأن هذا الوحي انتشر في الفتوح العربية. ولكن العرب عندما دخلوا بلاد الشام وأرض الرافدين وأواسط آسيا وشمال افريقيا والأندلس, اتصلوا بحضارات وديانات قديمة وإذا لم تكن تعرف عنها شيئا , لا تستطيع أن تفسر التاريخ حتى لفترة معينة. والباحثون في التاريخ العربي لا يعرفون جغرافية العالم الإسلامي في فترة الحضارة. وهذا شيء مهم لتفسير التاريخ. قبل مدة كنا في زيارة لقسم التاريخ في جامعة الملك سعود وتحدثنا فقال الدكتور مكي انه من الغريب أن الحضارة انتقلت من المشرق إلى الأندلس ثم من الأندلس إلى افريقيا وهذا صحيح. لكنني بينت السبب ـ تأدبا ـ في مقام آخر في لقاء بوجوده فقلت عندما احتل العرب مصر ساروا غربا ثم فتحوا في شمال افريقيا, ليبيا (صحراء), تونس, الجزائر ولكن الأرض الخصبة فيها آنذاك لا تتجاوز 20 كيلومترا وعندما احتلوا الأندلس البلد الجميل والغني صار شمال افريقيا طريقا. لكن الحضارة انتقلت إلى الأندلس لوجود حضارة وأرض خصبة وتجارة وصناعة وزراعة وهذه هي الأشياء التي تنشىء الحضارة وعندما نضجت الحضارة في الأندلس وحيث أن الشمال كان مسدودا اتجه الفتح إلى الجنوب. وهذه الأشياء قلما يهتم بها الجغرافيون ودراستي الشخصية الأولى كانت تاريخ العالم القديم ودراستي في البكالوريوس كانت تاريخ اليونان والرومان ولدي دكتوراه في التاريخ الإسلامي مما ساعدني في فهم الجذور أكثر من غيري.

والأمر الثالث أن الكتابة فن والفن ليس في تقعر الكتابة بل في أن تكتب كتابة صحيحة بسيطة يمكن أن تنتقل إلى الناس وأتمنى أن يعطي بعض الذين يكتبون في التاريخ كتبهم إلى زملائهم ليقولوا لهم إن هذا يفهم وهذا لا يفهم, أو أن يكون الكتاب مشتركا ولو كنت أحتاج إلى ذلك لفعلته. ولكنني أكتب بصورة مبسطة. ويسمونني شيخ المؤرخين وكلية الآداب في الجامعة العربية في بيروت سمتني عميد المؤرخين. ولكن أعرف أن عددا كبيرا من زملائي يعرفون تفاصيل التاريخ العربي الإسلامي أكثر مني ولكن لا يهمني أحتاج سنة فأرجع إلى المصدر وأجدها.. لكن الذي يحدث أن شخصا ما يدر س تاريخ الجزيرة العربية ويخاف أن يقرأ تاريخ مصر القديم أو تاريخ العراق الذي قد يفسر تاريخ الجزيرة. وأنصح أساتذة التاريخ الإسلامي في الجامعات بقراءة ثلاثة كتب: في الجغرافيا, والحضارات القديمة وعن أوروبا في العصور الوسطى. وفي المؤتمر في الجامعة العربية في بيروت وتحدثت عن جغرافية البحر المتوسط وأثرها في التاريخ وقلت انه في العصور الوسطى عندما كانت السفينة بشراعية, كانت تأتي السفن من ايطاليا إلى شرق مصر في أوقات معينة من السنة ولكنني تساءلت عن السبب وأوضحت أن السبب كان في تبادل الرياح في البحر الأبيض المتوسط بين الشتاء والصيف ففي الشتاء تتغير الرياح وتساعد السفينة الشراعية.

وهذا ما حدث عندما اكتشفت الرياح الموسمية بالنسبة للتجارة بين بلاد العرب والهند فكانت السفن تسير محاذية للشاطىء وتسير في ثلاثة أشهر ولكن عندما اكتشفت الرياح الموسمية, أصبحت تذهب من عدن إلى بومبي في ثلاثة أسابيع أو ثمانية وعشرين يوما . وهذا أمر مهم للمؤرخ أن يعرفه فالمسعودي وصف هذه الريح وسليمان التاجر يصف هذه الريح والطريق.

[ م ن من المؤرخين العرب الذين يمثلون نفس طريقة المؤرخ نقولا زيادة؟

ـ في الأربعين سنة الماضية أصبحت هناك فجوات من النور والأمل. فلما درس حسنين ربيع المؤرخ المصري النظم المالية في أيام المماليك في مصر لم يدرس شيئا جديدا بل جاء من نفس المصادر لكنه جاء بالمعلومات متكاملة بدلا من أن يتخصص في الخراج مثلا . وهناك أيضا عبدالعزيز الدوري كانت رسالته للدكتوراه عام 1952م عن تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع للهجرة وكانت جديدة. وهناك محاولات اجتماعية. ولكن المشكلة أن عددا كبيرا من مؤرخينا مر ت عليهم فترة من أواسط الستينات إلى التسعينات من كان يبرز للنور منهم كان يأتي من الشيوعية فكان التفسير الشيوعي أو الاقتصادي للتاريخ, مما أساء لفهم التاريخ وكتابته فالمؤرخ إذا كان يتبع أيدلوجية معينة فإنه لا يكتب تاريخا , يكتب رأي هذا المذهب. فمن كتب من البعثيين في سوريا في التاريخ, أساء للتاريخ لأنه أصبح ينظر إليه من وجهة معينة, فإذا كان هذا الأمر يناسب القومية العربية باعتبارهم, يهتمون به. ويقولون ان الفرس أساءوا للإسلام لأنهم كانوا شيعة وهذا غير صحيح لأنهم أصبحوا شيعة في 1500م عندما نشأت الدولة الصفوية فالتشيع لم يكن فارسيا بل كان عربيا . ونشأ عن خلاف حول الخلافة.

[ كتاب جرجي زيدان (تاريخ التمدن الإسلامي) لم يلق رواجا , لماذا؟

ـ عندما أنشئت الجامعة الأهلية في القاهرة عام 1908م كانوا يبحثون عن من يدرس التاريخ الإسلامي ولأنه مسيحي فلم يدرس التاريخ الإسلامي. ولكن كتابه انتشر والدليل على ذلك أن أحد أجزاء الكتاب ترجم إلى الانجليزية وقبل 20 سنة أعطي هذا الكتاب لحسين مؤنس ليضيف إليه ما اكتشف وشوقي ضيف طلب منه نفس الشيء في كتاب (تاريخ الأدب العربي) وأضيفت معلومات جديدة إليه. وهذه الكتب كتبت أوائل القرن الماضي. وقد يكون في كتاب جرجي زيدان أخطاء أو وجهات نظر مختلفة. وعموما أي كتاب تاريخي عن العرب والمسلمين كتب أوائل القرن الماضي يجب أن يـكتب غيره وإلا سنتوقف لكي نفهم التاريخ العربي الإسلامي بروحانيته وماديته. نشرت جامعة أوكسفورد كتاب (التراث الحضاري الإسلامي) نـشرت أول طبعاته في الثلاثينات لكنهم وجدوا أنها بحاجة إلى تغيير.. فنشرت عام 74 سلسلة فيها كل البحوث التي كتبت من جديد وغير ترتيبها.. والمهم أن الذين كتبوا عن الطب عند العرب هم أطباء أصبحوا مؤرخين والذين كتبوا عن الرياضيات والفلك عند العرب هم رياضيون أصلا ثم أصبحوا مؤرخين.. ولكننا ولله الحمد مؤرخونا يصلحون لكل شيء فهم يقولون اكتشفنا اللوغاريتمات ولكنهم لا يعرفون معناها.

[ نود أن تعطينا فكرة عن المحطات التي مر ت بها حياة الدكتور نقولا زيادة؟

ـ أسرتي من الناصرة في فلسطين ولكن والدي كان يعمل في سكة حديد الحجاز أيام انشائها وكان مركزها في دمشق فكاد يعمل هناك وولدت أنا هناك في الثاني من شهر ديسمبر عام 1907. توفي والدي وعمري ثمانية أعوام وأنا أكبر اخوتي فرجعنا إلى الناصرة وسكنت في بلد اسمها جنين وكانت قرية كبيرة فيها 4000 نسمة ولم يكن فيها مدرسة فكنت لمدة سنتين أدور في الأزقة وبعد سنتين افتتحت المدرسة بعد احتلال الانجليز لفلسطين.. قضيت سنتين في جنين ثم التحقت بدار المعلمين سنة 1921 ـ 1924م فخرجت معلما لمدرسة ابتدائية وعلمت سنة في قرية وفي السنة الثانية نقلت إلى مدرسة ثانوية وكانت معلوماتي أقل بكثير مما كان يتطلب وطلب مني أن أدر س التاريخ والجغرافيا فكنت أعد الدرس وأحفظه مساء لأعلمه الطلاب واستمر الوضع حوالي 3 سنوات وأنا لم أكن أحب التاريخ.. كنت أتمنى أن أدر س الرياضيات ولكن لم تكن هناك امكانية ولكن لأنني تعلمت التاريخ أحببته واستمريت في التاريخ القديم ثم في 1935م مـنحت بعثة في جامعة لندن قضيت فيها أربع سنوات حصلت من خلالها على شهادة البكالوريوس في التاريخ اليوناني والروماني. وعدت إلى القدس فعلمت في الكلية العربية ثماني سنوات 1939 ـ 1947م ولكن التاريخ الذي كنت أعل مه هو القديم وتاريخ العرب, تاريخ أوروبا في العصور الوسطى فقد أصبح اهتمامي بتاريخ العرب جديا فعندما ذهبت للدكتوراه عام 1947م حصلت على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي. عام 1949م رجعت أنا وأسرتي من لندن إلى بيروت في الجامعة الأمريكية قضيت فيها 24 سنة أستاذا ثم علمت في جامعة القديس يوسف اليسوعية في بيروت في الجامعة اللبنانية, في الجامعة الأردنية.. وفي أثناء عملي في الجامعة الأمريكية, ذهبت سنتين غير متواليتين إلى جامعة هارفارد أستاذا زائرا . ومن الجامعات التي زرتها أستاذا زائرا ولم تكن طويلة جامعة عين شمس, جامعة الكويت, الجامعة الإسلامية في الهند, جامعة زاريا في نيجيريا.

توقفت عن العمل عام 1991م بعد 67 سنة في التعليم والآن أقيم في بيروت أقرأ, يزورني أصدقاء وهم كثر ولله الحمد ولداي يقيمان في لندن لعملهما هناك.. رائد وباسل.. باسل مهندس معماري ورائد هو المدير المالي للشركة ويزورانني في الشتاء وأزورهما في الصيف وىأتون إلى مكتبهم في بيروت أو إلى جدة للعمل وأنا أرمل ولله الحمد! ولعل بعد أبنائي عني جعلهم يشتاقون إلي ويأتون لزيارتي بعكس لو كنت عندهم في لندن حيث سيكتفون بمكالمتي هاتفيا لأنني سأكون قريبا منهم وأنا سعيد جدا في بيروت.

[ كم عدد مؤلفاتك؟

ـ لي أربعون كتابا باللغة العربية وستة كتب بالانجليزية وتسعة كتب مترجمة من الانجليزية إلى العربية وكتاب مترجم من الألمانية إلى العربية اسمه (تاريخ العرب) أول كتاب كان عام 1943م كان عن رواد الشرق العربي في العصور الوسطى الشرقيين منهم والغربيين, طبع طبعة ثانية عام 1986م في بيروت ولكن قبل أن احصل على عدد من النسخ أصيب صاحب دار النشر بالشلل ولا أملك سوى نسختين منه. ولي الخمسة كتب التي ذكرتها. ولي بالانجليزية كتاب عن السنوسية وكتاب عن جذور الحركة الوطنية في تونس. ولي 125 مقالا كبيرا أو بحثا ألقي في المؤتمرات.. أما المقالات الصغيرة فكثيرة ولي ألف وسبعمائة حديث إذاعي بالعربية كتبتها وقدمتها وحوالي خمسمائة بالانجليزية.