جريدة الرياض الاثنين 12 رجب 1421 الموافق 9 أكتوبر 2000

 

الرأي الآخر أيضا

طارق عبدالعزيز أبوعبيد

 

عندما اخترت (الرأي الآخر) اسما لهذه الزاوية, لم أكن أقصد ان (أحمل السلم بالعرض) كما يقول أهل الشام. كل ما في الأمر انه على مر السنين تكونت لدي عدة آراء في المجتمع والفكر والثقافة تكون في بعض الأحيان (آراء أخرى) مختلفة عن آراء كثير من الناس. لا أزعم ان هذه الآراء صحيحة مائة بالمائة فمن يدعي امتلاك الحقيقة ونحن نتغير عما كـناه بالأمس فكرا وعاطفة وتجربة. لكنني اؤكد ان كثيرا من المسلمات لدى الناس في قضايا المجتمع والثقافة ما هي إلا آراء وانطباعات شخصية عممها أصحابها وكانت (سيكولوجية الجماهير) كما يقول جوستاف لوبون كافية لاضفاء صبغة شرعية على هذه المسلمات من قبل الذين رددوا هذه الآراء دون مساءلتها ومحاكمتها للثوابت.

وهذه الآراء التي يقف أصحابها مدافعين عنها ومحاربين ما سواها ليست حتمية لأنها لا تستند في مرجعيتها دائما إلى الثوابت وفي مقدمتها كتاب الله وسنة نبيه لأن ما ورد في القرآن والحديث يأتي من مصدر يتجاوز علمه علم البشر وادراكهم ولا يستند إلى الرغبات الإنسانية (ولا ينطق عن الهوى).

وأحيانا لا تصمد هذه الآراء في مواجهة المنطق والعقل الذي أمرنا الله باستخدامه. ولعل في تسامح فقهاء المذاهب الأربعة مع اختلافاتهم في الأمور الخلافية ـ رغم ان الموضوع شرعي لا دنيوي ـ مثال وقدوة في التعامل مع الآخر. والأمور الآن ليست بهذه السهولة أتذكر عندما كنت صغيرا أنني قرأت في احدى المجلات عبارة (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) فصدقتها. وعندما كنت في المرحلة المتوسطة وعملا بهذا المبدأ لم اتفق ـ في نفسي ـ مع مدرسنا الذي كان يضربنا بعصا غليظة لمجرد أن الاجابة لم تكن صحيحة وربما كانت صحيحة لكنها لم تطابق النص الموجود في الكتاب حرفيا .

لم استطع ان أواجه هذا المدرس بما في داخلي فكتبت ورقة ووضعتها على مكتب مدير المدرسة الذي عرف خطي واستدعاني ولم يستمع لي بل أخبرني بأنه يحبذ هذه الطريقة وطلب مني أن لا أكون متطرفا في حكمي. لم أعرف حينها وأنا في الثالثة عشرة من عمري معنى التطرف لكنني أحسست بأن تصرفي لم يلاق استحسانا . بعدها بسنوات قـبض على متطرفين في دولة عربية وعرفت معنى هذه الكلمة فضحكت!

وعندما كنت صغيرا أيضا لم تكن القضية بأن يكون لك رأي آخر بل القضية هي هل يحق لك أن يكون لك رأي أصلا ! فمداخلة بريئة أو تعليق في أحد الاجتماعات العائلية في أوقات المناسبات كانت كفيلة برسم علامات التعجب على ملامح الكبار ولسان حالهم يقول: ماذا يريد؟!

ومع مرور السنين اكتشفت ان النقاشات التي تختلف فيها مع آراء الآخرين قد لا تعامل بتسامح ولعل لطريقتنا في التعليم التي ترينا بأن للحقيقة وجها واحدا هو ما يقوله المدرس أو الكتاب وأنك إذا لم تكن مصيبا فأنت بالتالي مخطئ.

ونفسيتنا العربية الانفعالية والعاطفية علمتنا بأنك (إن لم تكن معي فأنت ضدي)، كما أن الشخصية الطفولية تحب من يشابهها فقط فلكي تكون صديقي أو حبيبي عليك أن تقرأ جريدتي المفضلة وأن تأكل الشوكولاته التي أحبها.

وللتعامل مع الاختلاف بهذه الطريقة عواقب مـشاهدة وملموسة, فأحادية الرأي تعتبر بيئة خصبة للتطرف ـ ليس بمفهوم مدير مدرستي ـ كما أن موقفنا المسبق بنفي الرأي الآخر يحرمنا من المعرفة والوصول إلى الحقيقة لأننا لا نحاول فهم نفسية الآخرين وكيف يفكرون. كما أن نفي الآخر يؤدي إلى غياب المبادرة ـ خوف العاقبة ـ ويقلل من الانتماء لعدم وجود مشاركة وتحرمنا من ابداع قد تحمله هذه الاختلافات.

كنت أرى ان هذا المقال مقدمة جيدة لمقالات قادمة بإذن الله لكنني لا أدري إن كنتم تختلفون معي في هذا الرأي