سعدي يوسف

 

أسـئلة

 

لماذا تحدق في البحر

والبحر ، أيضا ، له منتهاه ؟

لماذا ينام الشريد

على شاطئ امرأة لا تنام ؟

لماذا الحقيقة بيضاء ؟

إن أنت صدقت هذا

فأين الحقيقة ؟

لماذا القناديل تطفأ في لحظة الحب ؟

أم ان قلب الظلام يضيء الظلام ؟

لماذا تراقب كأسك ؟

كم قلت : لم يبق ما لا يراقب ...

لماذا تصدق بالأغنية

وتعرف أن الأغاني شفاه ؟

لماذا تفيق صباحا

وتهجر مملكة كنت فيها الملك ؟

لماذا المدينة ؟

لماذا السلاحف تحمل مرآتنا ؟

لماذا أحبك ؟

 

 

 

من النافذة

 

آه ، أيتها السيدة

كيف تقضين عمرك ، هذا الجميل

تحت حبل الغسيل ؟

آه ، أيتها السيدة

كم أرى في الصباح حبالك

بل كم أرى في المساء حبالك

الجميلة أنت

أنت

يداك ، اليدان

صاعدتان

وهابطتان

أبدا ، تحت حبل الغسيل ...

آه ، أيتها السيدة

أي عمر سنقطعه تحت حبل الغسيل ؟

أم ترانا سنقطع حبل الغسيل ؟

آه ، أيتها السيدة ...

 

 

 

ولاء

 

من بلد ستدور إلى آخر

ومن امرأة ستفر الى امرأة

من صحراء الى أخرى

لكن الخيط المدود مع الطائرة الورقية

سيظل الخيط المشدود

الى النخلة

حيث ارتفعت طيارتك الأولى ...

 

 

 

صديق

 

كان مهربا خجولا فاحم الأهداب

كوفية الحرير فوق كتفه تنساب

كان يغني في لياليه عن العشاق

عن لوعة الأشواق

عن نخلة في البيت يبكي حولها العشاق

وحين عدنا ، قبل أعوام ، من المنفى ... من الكويت

حدثني عن حبه ، عن حلوة في البيت

وأطبق الأجفان خجلان ...

ومرت نسمة بالماء

 

 

 

صديق آخر

كان من الأردن ... ألقته معي الدنيا

في قرية ملعونة تكره أن تحيا

كان يحب الجبنة البيضاء والزيتون

والزعتر النفاذ والليمون

واسم التي يهوى

وراية في عتمة الأردن خفاقة

أواه لو مر على منزلنا يوما

لو صافحت كفي كفاه

لو أومضت في الصمت عيناه

لو زارني يمحضني بهجة دنياه :

جبنته البيضاء والزيتون

والزعتر النفاذ والليمون

واسم التي يهوى وتهواه

 

أنباء عبدالله :

في السجن ، أو في عتمة الأردن

 

 

 

صديق جدي

 

عندما لا قيته كان ضباب النخل أزرق

كان في بستانه يطعم عصفورا معلق

إنها قطتنا، لا تترك المسكين مرتاحاً هناك

والفراشات على لحيته، والورد، والطلع الممزق

في عينية تمتد المراعي

ويرف الماء والزهر ينابيع شعاع

آه يا كوفية حمراء في الخضرة تغرق

والندى الليلي مازال على أهدابها قطنا نسيلا

صدفا بضا ، وجوريا ، وزنبق

كم تمنيت طويلا

تاجك الياقوت يختال على رأسي مرة!

 

 

 

 

وحدة

 

أسير مع الجميع، وخطوتي وحدي

 

 

 

اغتراب

 

وحيد بمقهاك ... إن ليالي الشتاء

بباريس ليست وحيدة ...

وفي شقة ما بوارشو تغني فتاة

أغاني شريدة ...

أغاني بعيدة .

وفي الصيف ، في بمبلونه

أحبتك ، كانت تحب النبيذ

وكانت تناديك في أمسيات المدينة :

Amigo

وكان زجاج المطار

نديا ... وفي ثغرها

ورائحة الليل ... في شعرها

رأيت النهار

وحيد بمقهاك ، إن الليالي

هنالك... ليست وحيدة

 

 

 

 

أعداء للشعر

 

وأخيرا ...

إن كنت جلست على رأس الكرة الأرضية

وقد دليت ، سعيدا ، قدميك المتسلختين من التطواف

لتكتب شعرا ،

فهنالك من يتمنى ان يأخذ رأسك كرسيا

ويدلي قدميه الحرشفتين على صدرك

كي يكتم حتى ولولة الشعر ...

 

 

 

القنفذ

 

يكمن في قارته القديمة

منكمشا ، بين تراب الشمس والعشب المسائي

وحيدا ،

بطنه الأبيض مشدود كجلد القوس

والعينان تشتفان صوت النمل

والرجفة في الماء الذي يخترق الجذع

وتشتفان ما يلمسه الطفل إذا جن

وما تأتي به الأشجار ، أو تأتيه ...

والقنفذ

هذا الكامن المأخوذ بالأشياء في قارته القديمة

والمحتبي في الغفلة العظمى

الذي إن ظنه الأطفال يوما –

كرة الأسمال يلهون بها ،

أو حسبته المرأة الصخر الذي يدلك رجليها

وأفعى النخل إن ظنته فأرا هامدا –

ما حل من حبوته.

لكنه في أول الليل

وفي قارته القديمة ،

يسعى

بطيئا

ضاحك العينين

مسرورا بأن الأرض فيها هذه الفتنة .

 

 

 

 

صباح الخير أيها الفاكهاني !

 

صباح الخير !

صباح الخير أيتها الشوارع والبنادق ...

يا صباح الخير

يا "بيرية " حمراء ، يا شمسا على شعر الفتى ...

ولكم صباح الخير ، حراس المقر

لفوهات الليل ، سر الليل

للتعب اللذيذ على عيونكم الجميلة .

يا صباح الخير للأطفال في زي المدارس

للصبايا

لقهوة عند الرصيف .

لأم نبيل ...

ابتسمي !

صباح الخير ، أم نبيل ... ابتسمي !

صباح الخير ، شاي أبي علي ...

أيها المتحرقون إلى أزيز الطائرات ،

على مدافعكم . . .

صباح الخير .

صباح الخير ، عمال – القمامة .

للمذيعة

للشباب المتعبين من النقاش

لصمت " توليدو "

للطلاب يجتازون ، في المقهى ، مراحلهم

صباح الخير .

صباح الخير للثورات تنفجر

كفرقعة الفقاقع ، في مسودة " البيان " الطفل ،

للثوري في المقهى : صباح الخير !

للثوري في قلبي : صباح الخير !

لا مرأتي ، صباح الخير

صباح الخير

صباح الخير

صباح الخير !

 

 

 

صباح الخير أيها العرب!

 

صباح الخير ، ألفا ، أيها العرب !

صباح الخير للمشرق

صباح الخير للمغرب

صباح الخير ، عبد الناصر ، الغلطا

صباح الخير ، يا أمة ،

تعرت أمة وسطا .

صباح الخير ، ألفا ، أيها العرب

صباح الخير للأولاد

صباح الخير للجلاد

صباح الخير للثورات تنقلب

صباح الخير للطلقات مكتومة

صباح الخير للرايات

صباح الخير ، عشرا ، للوحول تلطخ الرايات

صباح الخير للشعراء

صباح الخير للرقباء

ولهم صباح الخير حين يخططون القتل والشهداء

للشركات حاكمة : صباح الخير

للأحزاب إذ ترشى : صباح الخير

للدولار قوميا : صباح الخير

للقدس التي صلى بها الجرب

صباح الخير . . .

صباح الخير ، تف ... تف ... أيها العرب !

 

 

 

حنين

 

فجأة نتذكر ليل القرى

والبساتين

والنوم في الثامنة

فجأة نتعلم فائدة الفجر

نسمع صوت المؤذن

والديك

والقرية الآمنة

 

 

 

حرية الطفل

 

وليكن في ذراعك منه ارتسام الوريقات ...

حرية الطفل حين يلامس اهدابه في المرايا .

 

 

 

في سبتـة

 

رجال الجوازات خلف مكاتبهم

يعلكون النبيذ الرديء

وكان جواز السفر

يطالعهم ، واحدا ، واحدا ...

بين أختامهم والنبيذ الرديء .

 

 

 

 

الشخص الثاني

 

في المطعم الشتوي ، اصغيت الى سعلته الأولى

راقبته يمسح بالمنديل كفيه

ويكتم الضحكة في إغماض عينيه

راقبته ، يلحظني للمرة الأولى

يسخر مني ...

دون ان يسمعني حرفا

او يوقظ الصمت الذي أغفى

كان زجاج المطعم الشتوي مبلولا

وفجأة ...

غادره ، بالمعطف الباهت ملتفا

وفي المحطات ، تقابلنا ،

شربنا الشاي والنعناع

لم نتحدث . كانت الأمداء تمضي ، ساعة ، ساعة

وكان يبدو مثقلا من جلستي ، يرتاع

من وجهي الهاديء – في تليلات

كاد يناديني .. ولكن جاءت الصيحة –

وهكذا عاد الى عالمه الباحث عن معنى

يرقبني ، كاللص ، من زاوية في عينه اليمنى

ومرة اخرى ، افترقنا ...

لم نقل : " صحة "

وامس ، في غرفتي المغلقة الشباك

كنت اغني ، باسما ، للمطر الناعم

والريح ، والورد الذي لما يزل نائم

وبغتة ...

احسست بالرجفة في الشباك :

اهي اكف الريح تدعوني ؟

تزورني ؟

ام غصن ليمون

يريد ان يدخل خوف الريح ؟

ام أغنية للمطر الناعم

تحمل لي من آخر الدنيا عبير الوطن الغائم ؟

لكنني ابصرت عينيه

عبر الزجاج الرطب ، مبتلتين

ابصرت في عينيه اغنيتين ...

 

 

 

 

باب الأغاني

 

سوف تدق النواقيس

معلنة ربع ساعتها في الندى

وتدق النواقيس

معلنة ان بابا فتحناه بين الأغاني

تناءى ومر مرور الأغاني

تناءى ومر مرورا

تناءى ومر

تناءى ...

 

 

 

نزل السان ميشيل

 

ما الذي تفعل يونانية في هذه الساعة ،

في النـزل ؟

تداري طفلة صاخبة

او تترك المفتاح منسيا على الكرسي

او تلتفت اللحظة فاللحظة ...

لا شيء هنا في مدخل النزل :

الكراسي فقدت ألوانها

والكلب لا يعرف إلا النوم

والبحار

ما زال بعيدا في البحار ...

ما الذي تفعل يونانية في هذه الساعة ،

في النـزل ؟

اذا ما انتصف الليل

وأرخى آخر العشاق جفنيه على عاشقة اخرى –

مضت ، كي تغلق الباب عن الشارع

والبرد

وعادت لتغني

وحدها ....

الصباح

 

تخرج البنت التي تعمل في المخزن

من غرفتها بالطابق الثاني

تضيء النور في السلم

يبدو وجهها مرتبكا ، مرتجفا ، في النور ...

هذي البنت تستأني قليلا

قبل ان يستلم الشارع دنياها .

ستمضي البنت ، كالصبح الى المقهى

تضم القهوة الأولى الى كنـزتـها ...

والبرد في الشارع

والمقهى الذي تألفه يدفأ ...

كم تحلم ان تبقى هنا :

تجلس في الركن الى طاولة

تقرأ ،

او تسمع موسيقى .

ومن يدري ...

لعل الحب يأتي

فجأة ...

 

 

 

لمحـة

 

مقهى على البحر

وأغصان على المقهى

توشوش الموائد الفارغة الخمس

سدى .

سيدة تبكي

وحيدة
في الغسق الصيفي

والبحر الذي ينصت

والمقهى .

 

 

 

إلى محمد مهدي الجواهري

 

من مشفى الشام إلى النجمة

ومن النجمة حتى بغداد

دربك مكتنز بالأوراد

وقميصك هذا القطن

سترفعه حتى دجلة كوكبة الأحفاد

 

 

في الفلبين

 

فحل الجاموس

يسحب في سرعة سنتيمتر بالساعة

أطفالاً

وغراراتٍ

وصناديق مهشمةً

وعلى جنبي الدرب

مياه ستكون حقولاً بعد رحيلي

يتمايل فيها ماسوف يكون صحون الرز

 

 

حيدر ينام

 

كالمستريح الى النعاس دقيقتين

ينام حيدر

حوله الأزهار والشمع الطويل

وضجة الناس الذين يغمغمون

ويلعبون لأجله ورقاً

حيدر مغمض العينين

في شفتيه شيء مثل شكوى مثل لونٍ للملامة

كان حيدر ناعم الخدين

في أبهى أناقته

نظيفاً

لامعاً

مترقرق النعمى كعادته

وكان ينام

 

ياولدي

قطعت الكون

أسبق شمسه لأراك

ياولدي

تفارقني كعهدك؟

خلني ألمس يديك

وخلني أخبرك عن وجعي

وما صنعت بي الدنيا

لمن أشكو إذا لم أشكو عندك؟

هكذا انقطعت بنا الدنيا إذاً!

ارجوك

ياولدي

تنفس برهةً

افتح ولو لدقيقة ٍ عينيك

أبصر لحظةً شيبي

وماء دمي الذي ينهل من عيني

أبصرني

انتظرني

كيف تسبقني

وتتركني وحيداً في المفازة؟

 

ياصغيري

نم

تحرر

طر بعيداً

واسترح من رحلة العبث الطويلة

نم

ودعني في الجحيم

 

 

روبنسون كروزو

 

أنا من منتبذي هذا

منذ ثماني سنوات:

أشرط كل نهاية عامٍ بالمدية خطاً في رسغي الأيسر

جئت ولم أعرف أني جئت إليه

إلابعد أن استروحت بعيداًًًً في طرف الشاطىء

ألواحاًً أعرفها

وحبالاًً

وصناديق بخورٍٍ

وبراميل زيوتٍٍٍ زيت الخروع زيت الكتان

أعني:أبصرت حطام سفينة

قلت:إذاًً هذا بيتي

وسأرفع سقفا

وأقيم حوائط سعفا

وأنام حتى تأتيني في الحلم سفينة

مضت السنوات

وكاد السقف يقبل عشب الأرض

وطارت سعفات الحائط

تتبع طير البحر

ولكني مازلت بمنتبذي هذا

لم يعرف بي بشر

لم تمسسني امرأة

لم تسعفني حتى في الحلم سفينة

 

 

 

إلى زوارٍ غربيين

 

نسألكم بالله لماذا تأتون إلينا؟

نحن رعاة

وصعاليك

وصيادو سمكٍ قد لا يكفي للقوت اليومي

وأبار ونخلٍ أحيانا

ومساكننا

صوف

أ وقصب

أو طين بسقوفٍ من سعفٍ أحيانا

وملابسنا

واحدة

لاألوان بها

لاتفصيل ولاأشكال

ولاحتى حبكة

بل نحن عراة أحيانا

 

وإذاً؟

بالله لماذا تأتون إلينا؟

أتحبون النخلة حقاً والصحراء؟

تحبون البيت الصوف

وملبسنا

والطين المسقوف؟

لم يتبق لدينا

نحن المسلوخين الىأن بان بياض العظم

مانمنحكم

نرجوكم