بدر شاكر السياب

 

أفياء جيكور

 

جيكور .. ماذا ؟ أنمشي نحن في الزمن

أم أنه الماشي

ونحن فيه وقوف ؟

أين أوله

وأين آخره ؟

 

هل مر أطوله

أم مر أقصره الممتد في الشجن

أم نحن سيان ، نمشي بين أحراش

كانت حياة سوانا في الدياجير ؟

جيكور مدي غشاء الظل والزهر ،

سدي به باب أفكاري لأنساها .

وأثقلي من غصون النوم بالثمر

بالخوخ والتين والأعناب عارية من قشرها الخضر .

ردي إلي الذي ضيعت من عمري

أيام لهوي .. وركضي خلف أفراس

تعدو من القصص الريفي والسمر ،

ردي أبا زيد ، لم يصحب من الناس

خلا على السفر

إلا وما عاد .

ردي السندباد وقد ألقته في جزر

يرتادها الرخ ريح ذات أمراس

جيكور لمي عظامي ، وانفضي كفني

من طينه ، واغسلي بالجدول الجاري

قلبي الذي كان شباكا على النار .

لولاك يا وطني ،

لولاك يا جنتي الخضراء ، يا داري

لم تلق أوتاري

ريحا فتنقل آهاتي وأشعاري .

 

 

 

خذيني

 

خذيني أطر في أعالي السماء

صدى غنوة ، كركرات ، سحابه !

خذيني فإن صخور الكآبه

تشد بروحي إلى قاع بحر بعيد القرار

خذيني أكن في دجاك الضياء

ولا تتركيني لليل القفار .

إذا شئت ألا تكوني لناري

وقودا ، فكوني حريقا .

إذا شئت أن تخلصي من إساري ،

فلا تتركيني طليقا .

خذيني إلى صدرك المثقل

بهم السنين .

خذيني فإني حزين

ولا تتركيني على الدرب وحدي أسير إلى المجهل .

وكانت دروبي خيوط اشتياق

ووجد وحب

إلى منـزل في العراق

تضيء نوافذه ليل قلبي ،

إلى زوجة كان فيها هنائي

وكانت سمائي

كواكبها ترسم الدرب ، دربي .

وهبت عليها رياح سموم

تبعثر خيطان تلك الدروب البعيده ،

فعادت جذى كل تلك النجوم

صلبت عليها ، وعادت مسامير نعش

وعادت دروبي دربا إذا جئت أمشي

رماني إليك ، كوزن يقود القصيده .

فوا لهف قلبي عليك !

ودرب رماني إليك !

أما تعلمين بأني تشهيتك البارحه

أشم رداءك حتى كأني

سجين يعود إلى داره يتنشق جدرانها :

هنا صدرها ، قلبها كان يخفق – كان التمني

يدغدغه ، يشعل الشوق فيه إلى غيمة رائحه

لأرض الحبيب : ستنضح أركانها بذوب نداها .

تشهيتك البارحه

فقبلت ردن الرداء : هنا ساعداها ،

هنا إبطها ، يا لكهف الخيال

ومرفأ ثغري إذا جرفته رياح ابتهال

ودحرجه مد شوق ملح ، وقد حار فيه السؤال :

" تحبينني أنت ؟ هل تخجلين ؟

أم استنزفت شوقك الكبرياء

فلم يبق إلا ابتسام الرثاء ؟

نباح الكلاب المبعثر في وشوشات النخيل

ينبه في قلبي الذكريات العتاق

ويربط دقات قلبي بأرض العراق

لأسمع "بابا " فيطفأ حبي وتبرد نار الغليل

وأعدو على الدرب سدت خطاي عليه

نوافذ بيتي تجمد فيها الضياء :

تغربت عنه وعدت إليه .

 

 

 

حامل الخرز الملون

 

ماذا حملت لها سوى الخرز الملون والضباب ؟

ما خضت في ظلمات بحر أو فتحت كوى الصخور

والريح ما خطفت قلوعك ، والسحاب

ما بل ثوبك . ما حملت لها سوى الدم والعذاب .

في سجنها هي ، خلف سور .

في سجنها هي ، وهو من ألم وفقر واغتراب .

عشر من السنوات مرت وهي تجلس في ارتقاب :

أطفالها المتوثبون مع الصباح

صمتوا وكفوا عن مراح ،

زجرتهم لتحس وقع خطاك . برعمت الزهور

وأتى الربيع وما أتيت ، وجاء صيف ثم راح .

ماذا يعيقك في سواحل نائيات ؟ في قصور

قفر يعيش الغول فيها ، كلما رمت الرياح

 

 

 

انشودة المطر

 

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر ،

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهر

يرجه المجذاف وهنا ساعة السحر

كأنما تنبض في غوريهما ، النجوم ...

وتغرقان في ضباب من أسى شفيف

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء ،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،

والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ،

فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء

ونشوة وحشية تعانق السماء

كنشوة الطفل إذا خاف من القمر !

كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم

وقطرة فقطرة تذوب في المطر ...

وكركر الأطفال في عرائش الكروم ،

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودة المطر ...

مطر ...

مطر ...

مطر ...

تثاءب المساء ، والغيوم ما تزال

تسح ما تسح من دموعها الثقال .

كأن طفلا بات يهذي قبل أن ينام :

بأن أمه – التي أفاق منذ عام

فلم يجدها ، ثم حين لج في السؤال

قالوا له : "بعد غد تعود .. " –

لابد أن تعود

وإن تهامس الرفاق أنها هناك

في جانب التل تنام نومة اللحود

تسف من ترابها وتشرب المطر ،

كأن صيادا حزينا يجمع الشباك

وينثر الغناء حيث يأفل القمر .

مطر ..

مطر ..

أتعلمين أي حزن يبعث المطر ؟

وكيف تنشج المزاريب إذا انهمر ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟

بلا انتهاء – كالدم المراق ، كالجياع ،

كالحب ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروق

سواحل العراق بالنجوم والمحار ،

كأنها تهم بالشروق

فيسحب الليل عليها من دم دثار

أصيح بالخليج : " يا خليج

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجع الصدى

كأنه النشيج :

" يا خليج

يا واهب المحار والردى .. "

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود

ويخزن البروق في السهول والجبال ،

حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال

لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من أثر .

أكاد أسمع النخيل يشرب المطر

وأسمع القرى تئن ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،

عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :

" مطر ...

مطر ...

مطر ...

وفي العراق جوع

وينثر الغلال فيه موسم الحصاد

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشوان والحجر

رحى تدور في الحقول ... حولها بشر

مطر ...

مطر ...

مطر ...

وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموع

ثم اعتللنا – خوف أن نلام – بالمطر ...

مطر ...

مطر ...

ومنذ أن كنا صغارا ، كانت السماء

تغيم في الشتاء

ويهطل المطر ،

وكل عام – حين يعشب الثرى – نجوع

ما مر عام والعراق ليس فيه جوع .

مطر ...

مطر ...

مطر ...

في كل قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنة الزهر .

وكل دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد

أو حلمة توردت على فم الوليد

في عالم الغد الفتي ، واهب الحياة !

مطر ...

مطر ...

مطر ...

سيعشب العراق بالمطر ... "

أصيح بالخليج : " يا خليج ..

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! "

فيرجع الصدى

كأنه النشيج :

" يا خليج

يا واهب المحار والردى . "

وينثر الخليج من هباته الكثار ،

على الرمال ، : رغوه الأجاج ، والمحار

وما تبقى من عظام بائس غريق

من المهاجرين ظل يشرب الردى

من لجة الخليج والقرار ،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق

من زهرة يربها الفرات بالندى .

وأسمع الصدى

يرن في الخليج

" مطر ..

مطر ..

مطر ...

في كل قطرة من المطر

حمراء أو صفراء من أجنة الزهر .

وكل دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد

أو حلمة توردت على فم الوليد

في عالم الغد الفتي ، واهب الحياة . "

ويهطل المطر ..

 

 

 

يا أنت

 

يا أنت ، يا أحد السكارى ،

يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى

أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباح

دفء الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباح

ودواء ما تلقاه من سأم وذل واكتداح .

 

 

 

روح أم

 

هي روح أمي هزها الحب العميق ،

حب الأمومة فهي تبكي :

" آه ياولدي البعيد عن الديار !

ويلاه ! كيف تعود وحدك ، لا دليل ولا رفيق ؟ "

أماه .. ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار

لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار !

كيف انطلقت على طريق لا يعود السائرون

من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار ؟

كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون ،

يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون

ويسائلون الليل عنك وهم لعودك في انتظار ؟

الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار

هذا الغريب !! هو ابنك السهران يحرقه الحنين .

أماه ليتك ترجعين

شبحا . وكيف أخاف منه وما امحت رغم السنين

قسمات وجهك من خيالي ؟

أين أنت ؟ أتسمعين

صرخات قلبي وهو يذبحه الحنين إلى العراق ؟

الباب تقرعه الرياح تهب من أبد الفراق .

 

 

 

احبيني .. !

 

وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا ،

ولكن .. كل من أحببت قبلك ما أحبوني

ولا عطفوا علي ،

عشقت سبعا كن أحيانا

ترف شعورهن علي ، تحملني إلى الصين

سفائن من عطور نهودهن ، أغوص في بحر من الأوهام والوجد

فالتقط المحار أظن فيه الدر ، ثم تظلني وحدي

جدائل نخلة فرعاء

فابحث بين أكوام المحار ، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمه ،

وإذ تدمى يداي وتنـزع الأظفار عنها ، لا ينـز هناك غير الماء

وغير الطين من صدف المحار ، فتقطر البسمه

على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق ،

لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني .

وأجلسهن في شرف الخيال .. وتكشف الحرق

ظلالا عن ملامحهن : آه فتلك باعتني بمأفون

لأجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاها .

وتلك .. لأنها في العمر أكبر أم لأن الحسن أغراها

بأني غير كفء ، خلفتني كلما شرب الندى ورق

وفتح برعم مثلتها وشممت رياها ؟

وأمس رأيتها في موقف للباص تنتظر

فباعدت الخطى ونأيت عنها ، لا أريد القرب منها ،

هذه الشمطاء

لها الويلات ؟ ثم عرفتها : أحسبت أن الحسن ينتصر

على زمن تحطم سور بابل منه ، والعنقاء

رماد منه لا يذكيه بعث فهو يستعر ؟

وتلك كأن في غمازتيها يفتح السحر

عيون الفل واللبلاب ، عافتني إلى قصر وسياره ،

إلى زوج تغير منه حال ، فهو في الحاره

فقير يقرأ الصحف القديمة عند باب الدار في استحياء ،

يحدثها عن الأمس الذي ولى فيأكل قلبها الضجر .

وتلك وزوجها عبدا مظاهر ليلها سهر

وخمر أو قمار ثم يوصد صبحها الإغفاء

عن النهر المكركر للشراع يرف تحت الشمس والأنداء .

وتلك ؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها ،

شربت الشعر من أحداقها ونعست في أفياء

تنشرها قصائدها علي : فكل ماضيها

وكل شبابها كان انتظارا لي على شط يهوم فوقه القمر

وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر

فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة

تؤج النور مرتعشا قوادمها ، وتخفق في خوافيها

ظللا الليل . أين أصيلنا الصيفي في جيكور ؟

وسار بنا يوسوس زورق في مائه البلور ؟

وأقرأ وهي تصغي والربى والنخل والأعناب تحلم في دواليها ؟

تفرقت الدروب بنا نسير لغير ما رجعه ،

وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعه

فتذكرني وتبكي . غير أني لست أبكيها

وآخرهن ؟؟

آه . زوجتي ، قدري . أكان الداء

ليقعدني كأني ميت سكران لولاها ؟

وهأنا ... كل من أحببت قبلك ما أحبوني .

وأنت ؟ لعله الإشفاق !!

آه ، هاتي الحب ، رويني

به ، نامي على صدري ، أنيميني

على نهديك ، أواها

من الحرق التي رضعت فؤادي ثمة افترست شراييني .

أحبيني

لأني كل من أحببت قبلك لم يحبوني .

 

 

 

ليلة وداع

 

أوصدي الباب ، فدنيا لست فيها

ليس تستأهل من عيني نظره .

سوف تمضين وأبقى .. أي حسره ؟

أتمنى لك ألا تعرفيها ؟

آه لو تدرين ما معنى ثوائي في سرير من دم

ميت الساقين محموم الجبين

تأكل الظلماء عيناي ويحسوها فمي

تائها في واحة خلف جدار من سنين

وأنين

مستطار اللب بين الأنجم .

في غد تمضين صفراء اليد

لا هوى أو مغنم ، نحو العراق

وتحسين بأسلاك الفراق

شائكات حول سهل أجرد

مدها ذاك المدى ، ذاك الخليج

والصحارى والروابي والحدود

أي ريش من دموع أو نشيج

سوف يعطينا جناحين نرود

بهما أفق الدجى أو قبة الصبح البهيج

للتلاقي ؟

كل ما يربط فيما بيننا محض حنين واشتياق

ربما خالطه بعض النفاق !

آه لو كنت ، كما كنت ، صريحه

لنفضنا من قرار القلب ما يحشو جروحه

ربما أبصرت بعض الحقد ، بعض السأم

خصلة من شعر أخرى أو بقايا نغم

زرعتها في حياتي شاعره

لست أهواها كما أهواك يا أغلى دم ساقى دمي .

انها ذكرى ولكنك غيرى ثائره

من حياة عشتها قبل لقانا

وهوى قبل هوانا .

أوصدي الباب . غدا تطويك عني طائرة

غير حب سوف يبقى في دمانا .

 

 

 

آه

 

آه كيف ضيعتك يا سرحة خوخ مزهره ؟

آه لو عندي بساط الريح !!

لو عندي الحصان الطائر !!

آه لو رجلاي كالأمس تطيقان المسيرا !

لطويت الأرض بحثا عنك .

لكن الجسورا

قطعتها بيننا الأقدار . مات الشاعر

في وانسدت كوى الأحلام .

آه يا جميله !