زياد اّل الشيخ

 

الهدهد

 

يأتيني الهدهد بعد صلاة الفجر ْ

فيحط على غصن الزيتونْ

في عينيه الملأى بالدمع أرى مكتوباً من ورق البردي ملفوف

بشريط أسود حول النصف ْ

فأقول له ما الأمرْ ؟

ما الأمرْ ؟!

[ كالسهم النافذ في طبقات القلب ْ

كالموج الهادر يضرب وجه الصخرْ

كالليلْ

كالبحرْ ! ]

يلقي مكتوب الهجر ْ !

 

.....................................

.....................................

مكتوبكِ آخر أمر يصدر بعد الفتحْ

أن أرجع كل الجند إلى ما خلف الخلفْ

أن أبقى بعدكِ أحكي للقبطان لماذا اخترتُ البحرْ

 

 

 

زواج صديقي المفضل

إلى الشاعر طارق أبوعبيد

 

ها أنا أمشي على الظل وحيداً كانت الخِطًّة ُ

أن نمشي سوياً نحو أصفى جدولٍ قبل الأصيل ْ

 

كانت الخيل على علم ٍ بما يجري ولكني اكتشفت ُ

النية البيضاءَ من غسل الأواني و العبير الزيزفونيِّ

الذي يملأ ُ أرجاء المكانْ

عندها رتبت ُ أشيائي و آثرت الرحيلْ

 

كانت الشقة لاثنين ولا تصلح ُ للسكنى لأنثى

لا زهورٌ من جبال الهملايا ، لا أغاني ، لا عصافيرَ ،

ولا حتى مرايا ، بينما السقف من الجص وهدَّاب النخيل ْ

 

كنت تحكي عن ليالي الشوق ِ

عن صفصافة تنبت في الساحل في الليل ِ

على حزن أهالي البر ِّ ، عن مخطوطة للأرض ِ

أخرى ما رأيناها ، وعن منطقةٍ نعبرها بعد قليل ْ

 

خطوة ً تسبقني ، ها أنت ذا تزرع غير الشعر ،

تبني غير ما تعرف من ذاكرةٍ ذاكرة ً أخرى،

وموالاً جديداً ما صنعنا مثلهُ ، تكبر قبلي ،

تحتسي الحب سليم القلب مرتاحاً

وترمي جسداً للغيم منهَدّاً من الشوق و أوزان الخليل ْ

 

أتُرى تأتي بلا قلبٍ وفي كفك لي جورية ً كسلى ؟

أتنسى لغة ً تشبهنا أكثر من أي غدير ٍ ،

لغة ٌ تشرب من جرة راعيْ ، ترتوي من نايه حتى تغني،

وردة ٌ حمراء لا تذبل في شعر الصبايا

عندما يحملها العشاق جيلا ً بعد جيل ْ

 

كلما مرت بنا قبَّرة ٌ سلمتها قافية ً تزرعها في أي وقتٍ

ربما صادفتَها في كوب شاي أو على جيد فتاة ٍ ،

ولقد تلحظها في جيبك الأيمن أو في عينك اليسرى

فهلاّ عدت للشرفة كي تستنشق الذكرى على ليل امرئ القيس الطويل ْ

 

ربما أنت َ لي المرآة أم أنت لي المشكاة من دربٍ إلى دربٍ

ومن ليلٍ إلى ليلٍ وهل أنت لي النورُ الذي في آخر الدهليز

أم عين بكتْ لي حين أبكتني الليالي ، ربما أنت وقود الفنِّ في الدنيا

الدليلُ الاصطلاحيُّ ، مغنينا الخرافيُّ ، أم الخلُّ الوفيُّ المستحيل ْ

 

إنه الوقت الذي تكشف عيناه لنا

عن سرِّ معناك الجميلْ

وحده السر الجميلْ

وحده الوقت الجداريُّ الصقيلْ

تحت أوراق الخريف الصفر في الدرب المؤدي

نحو أصفى جدولٍ قبل الأصيل ْ

 

 

 

زحام

 

قلبي يتعلق بالأحلام ويعشق وجه البحرْ

يتفطر مثل تويج الزهرْ

يمشي فوق البحر ِ

ويسقط في ماء النهر ِ

ويعشب مثل الصحراء إذا عاجلها غيمٌ مشتاقْ

 

قلبي يتساقط منه التفاح على سطح المكتبْ

يتدحرج فوق الأوراق ْ

ويذوب على ضوء المصباحْ

تتشربه الصفحة كالإسفنج ْ

وسكاكين تدعى أقلاماً تملأ وجه الصفحة بالشاماتْ

شامات الشعر على الأطباقْ

وعلى شفة الإبريق المنضود لحفلة شاي بعد العصرْ

تحت السجاد الإيراني هنا بعض الأبياتْ

كشظايا الفنجان الصيني المكسورْ

 

 

قلبي يتمطق ُ من طعم الحبِّ الحلو الحامضْ

يتعرقُ في هذا الحمام التركي ويأخذ شكل الأيامْ

مظلوم هذا القلب ومجنون كالأطفالْ

محمولٌ كالزورقْ

يتهادى بين البيرق و البيرقْ

يتخطى كل الحراس ولا يغرق ْ

 

قلبي يتفتق هل تسمع أصوات الأبوابْ

هل تسمع أصوات السيارات ْ

الناس يمرون على قلبي كمحطة بنزين

ويمرون َ كأسراب النورس ِ أسراباً أسرابْ

منهم من ينسى في قلبي قلباً

من ينسى في قلبي قمراً ،

قنينة طيب ٍ من باريس ، وينسى باريس ، يطوف بقلبي أياماً أعوامْ

ينسى أني من قلبٍ

فيمر على درجي ودفاتر أحزاني من دون كلامْ

ويقلب أوراقي فيثير الحبر ، يثير الأقلامْ

 

 

 

قلبي يا صاحْ

مفتوح لجميع الزوارْ

حتى السياحْ

 

في الليل أنفض قلبي وأكنِّس آثار الأقدامْ

وأرتب كرسياً للقادم في الصبح ِ

القادم من جزر الأحلامْ

 

 

 

 

خمس أغانٍ قيسية

 

1

مجنون لو ضيعت مكان الكنزْ

أو لو مزقتُ خريطة أحلامي

وحفرتُ لها قبراً في قلب الأوهام ِ

أو لو أحرقتُ أكاليلي

إني مجنونك وحدك يا ليلى

رغم الأشعار ورغم الظلم المجنونْ

إني مجنونك يا ليلى

بين العذال وبين مواويلي

لكن

وأنا مشحون بالألحان ِ

وبالأطيافِ

وبالأفكارْ

ما بين الصخر وما بين النهرين ِ

وفي العتمة ْ

أشعلت ُ لديك قناديلي

 

2

أخشى من ظلم هواك ولا أخشى حد السيفِ

إني أهواك ولا أخشى نزف الخوفِ

إني أبكي .. أبكي

هلاَّ استجوبت مناديلي !

هلاَّ تابعت مشاويري

لتري جرحي المسكين على ثوبي

وتري أحلامي تشكوكِ

وتضيئي مشكاتي

وتديني كل أقاويلي

 

 

3

 

آه لو تدرينا

آه لو أدري كم أهواك وكم أشقى .. هل تشقينا ؟!

في الأمس وصلت إلى الشام ِ

ووصلتُ إلى أعماق مجاهيلي

وبعدتُ ، بعدتُ ، بعدتْ

عنكِ

كالأمواج ِ

يرميني النهر إلى البحرِ

يرميني البحر إلى البحر ِ

للشاطئ أو للمجهول المجهولِ

يرميني في عين الشمس ِ

وأعود شهاباً في الليل ِ

موصولا ً بالغيمات ِ

ومحمولا ً بالنور من القدمين إلى الرأس ِ

والليل ينادي لي !

 

4

 

رمل الصحراء ينام على كفي

ونخيل الأيام ِ

وكلامي يكسر أقلامي

فأخط على الرمل اسمك بالعيدان ْ

من دجلة للنيل ِ

وأهيم على وجهي بين الطرقات ِ

وأمشي في الأسواقْ

وأقص حياتي للأطفال و للعشاقْ

أهذي

أتعلم فن التمثيل ِ

 

5

 

لليل مكان في قلبي

وأسمي الصبح به ليلى !

 

 

 

 

الرجل ذو الساق الخشبية

 

[ كم قلت لكم إني لا أصلح طباخا ً في البحرية

كفاي معطلتان بتقطيع الخضراوات وتغسيل الأطباقِ

وتجميع ملابسكم فحري أن يأتي النور إليكم من هاتين

العينين أضيء لكم ظلمات الأفلاك على الفلك الشرقية ْ ]

 

البحر له وجهان من الفضة ْ

وجه يتراءى للناس كسيف مصقول في (عرضةْ)

أما الوجه الآخر يعرفه القبطان ْ

 

[كم قلت لكم لا تثقوا في النورس ، لا ترموا الطحلبَ

قد نحتاج إليه ، ولا تنسوا رأس الحكمة ، لا تفشوا أسرار

الرحلة للبحارة و الميناء ، وقولوا نصف النية ْ ]

 

الليل هنا في البحر تحول من ليلٍ لثلاث ليالْ

ليل الليل ، وليل البحر ، وليل مدسوسٌ خلف الجفنينْ

و الحكمة أن تدري في الظلمة أين يديكْ

أن تنصت للنجمة و الأسماكْ

وعلى أي الجنبين ينام الجار الآنْ

 

 

[كم قلتُ لكم إني أعرفُ وجه القرصان وحجم يديهِ

ولو بعد الموت ، ولم أتعلم كل لغات العالم لكني أفهمُ

ما قال الدلفين وما لمحت الحيتان إليه وأفهم خفقة قلب

القاتل قبل الإطلاق وأعرف هسهسة الغدر القادم من

خلف الكتفين برغم الكتمان ورغم السرية ْ ]

 

كفي سمكة ْ

ليست للطب ولكن للحركة ْ

ضد الأمواج ومن فك الشبكةْ

 

 

[ كم قلت لكم إن الميناء خلاص الناس وليس خلاص البحارةِ

والميناء لتغيير الأقنعة البحريةِ

و الملح الباقي فوق الشفتين سيبقى

لا يغسلُهٌ المطر القرويُّ ولا صابون المدن الصحراوية ْ ]

 

النورس يسألني عن رملٍ أبيض يرتاح عليه ْ

يتنفس تحتي البحر ولا أدري كم نحتاج إليهْ

 

[كم قلت لكم إن الطوفان هو الحل الأمثل للقرصنة

الإنسانية يركبها القرصان الرومانيُّ ويغزو فيها أرض الله

على خيل لم نعهدها وبيارق من دمِّ الأجدادِ

ليأتينا هدهدهم كي يخبرنا أن الطوفان أصاب الكرة الأرضية ْ ]

 

وجه أذنيك إلى الساحل ْ

أنصت لرياح الهندْ

وتجاهل أنات المركب حتى تسمع نبضة قلبك في أذنيكَ

الموج يقبل كف الرمل ، ضجيج الناس ، حفيف النخلِ ،

و أنفاس الرائح و الغادي

الراكب و الراجل ْ

هل تسمع شيئاً يشبه صوت العجلات وهل تسمع صوْ ..

إني أسمعهمْ !

ماء ٌ في كوزْ

شيخٌ يتوسم في شبانٍ خيراً ، سيدة تبكي موت أخيها قرب النافورة ،

لهجة إيطالي من جنوى يحكي قصته للتجار العرب الحكماءْ

وأظن بأني أسمع صوت بناءْ

أوتدري ما يبنونْ ؟

لا ، لا أدري فالضوضاء ْ ...

يبنون حصوناً من إكسير النور ومن حجر الجبل الجرنيتي المنحوتْ

أقوى من عزم الريح ومن فك الموج ومن ناب الحوتْ

فالطوفان الآن على الأبوابْ

إما أن تفتح مفتاحك يا أستاذي وتميط رباط العينينْ

أو يأتيك الطوفان من النيلين ومن هضبات الأورالْ

 

 

[ كم قلت لكم مخطوطات ابن الهيثم و الجرجاني أماناتٌ

لا ترموها في النهر ستغرق ثم تذوب فهل علمتم قلب الطفل

الرمي وهل علمتم قلب الطفل الإبحار إذا وقفت أمواج البحر

على قدميها أم هل علمتم قلب الطفل ركوب الخيل

الريح/الصحراء/الإنترنت/ النظريات الفيزيائية ْ ]

 

لا يكفي أن تحمل عينيك بريق عيون العباسيين ولا نبل الأيوبيينْ

لا يكفي أن تسترخي كالماء ولا أن تشتدَّ كأشجار التينْ

ليست كفاك بجمر كي تمسك جمراً

أو ما حولك مشتعل ٌ كي تصبح من فِلينْ

فمياه البحر الأحمر جامحةٌ ، و البحر المتوسط مشتبكٌ ،

وجبال الأطلس كالتنينْ

والساحل مسنونٌ يتعرج كالسكينْ

إما أن تقطع منه وتيناً أو يقطع منك وتينْ

إما أن ترحل عن غرناطة أو تبقى في حطينْ

 

[ كم قلت لكم لكن لا ينفع قول في هذا العصر ِ

القصديري المثقوب ، ولا في هذا الجو العذري المفضوضِ

سأطلق نفسي في البحر لعلي أنجو من نتن المدنية علِّي

أفلتُ من قبضة وقتي الفولاذية ْ ]

 

نظفْ رئتيك من الكربون بهذا الورد البريْ

ضع قمحاً في أذنيك َ ليمتص الإشعاع النوويْ

شطف عينيك من الزرنيخ بهذا المحلول الملحيْ

فغداً سنغوص وبعد غدٍ نبحر بحثاً عن هندٍ أخرى